JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

تعلّم إعلانات فيس بوك باحترافية تامة في 6.5 ساعة فقط

بسم الله الرحمن الرحيم

باب الشعبة

مقدمة

في القرن التاسع الهجري أواخر دولة بني مرين و أوائل دولة الوطاسيين تأخرت حالة المغرب و انحطت انحطاطا بينا من جميع مناحي الحياة ،و بالأخص في دولة الوطاسيين و وزرائهم، بلغ المغرب غاية التدني و التضعضع، فتلونت له النوائب و تعددت عليه النكبات، ذلك كله سوغ للبرتغاليين و لوج أبواب المغرب و الاستيلاء على جل شواطئه.

في ذلك الأوان المنحط كانت أسفي ترزح تحت عوامل التخريب و الموت المعنوي، ذلك من تنازع السلطات عليها ، سلطة رؤساء أحزابها الدين اقتطعوها عن حكومة الوطاسيين ، ثم لم يقدروا على إدارة سياستها و إخضاع من بها، و سلطة الو طاسيين الضعيفة، و سلطة البرتغال المتسربة بواسطة الدسائس لرؤساء الأحزاب، فلم يسع أسفي إلا أن تسقط تحت البرتغال شهيدة بيد رؤساء أحزابها سنة 910 أو سنة 912 بعد حروب شديدة، أولئك الرؤساء الذين غايتهم إرضاء شهواتهم و ملء جيوبهم، أو انتصارهم على أندادهم في منازعات شخصية أو نيلهم شبه جاه أو نفوذ، هدا منتهى أماني الخائنين، و لكنه غير مبرر لما ارتكبوه من خيانة الأمة و شقاء للبلاد و العباد. ذلك أن البرتغاليين لما بسطوا نفوذهم على أسفي عاملوها أسوأ معاملة، و أذاقوا من بها ألوان النكال و العذاب مما يخجل منه جبين الإنسانية، حيث إنهم عمدوا إلى المعاهد الدينية و بالغوا في إهانتها، منها ما نقضوه حجرا حجرا،و منها ما جعلوها محلا للقاذورات كالمسجد الكبير، و عبثوا بالمحارم و استحلوا في الأحرار، فكانوا يبيعونهم جهارا، و سفكوا الدماء، و نهبوا المال، و خربوا الدور، .......................................

ولما كان السور القديم لاتساعه و قدمه ومعرفة المسلمين بمواقع الغرة منه، إذ كانوا يفتحون الترع منه و يهجمون على البرتغال، كان ذلك باعثا للبرتغاليين على تسويره بهذا السور الموجود الذي يقدر بنحو ربع السور القديم أو خمسة. ...............................

استخلص الملوك السعديون أسفي من مخالب البرتغال بعد حصار طويل و حروب  عظيمة سنة 948 أو سنة 947، و لما أيقنوا بأنهم لا طاقة لهم بالسعديين أخلوها و خربوها و دمروا ما بها من آثار و أوقدوا فيها النيران، ………..

و قد عمره السلطان محمد الشيخ المهدي، ورد جالية أهله، و أسس القصبة العليا و مسجد الكبير، و غير ذلك من لوازم، و اعتنى به و أولاده و حفدته، و شحنوا أبراجه بالدافع، ورمموا الأسوار،و بالجملة نهضوا من كبوة السقوط و الخراب و صيروه في صف المدن والحواضر.  

من كتاب أسفي و ما إليه  لمحمد بن أحمد الكانوني العبدي    ص 54/56

 

1.           الشخصيات المغربية الحقيقية

حمادي بن فرحون ـــــــــــــــ حاكم أسفي

عبد الرحمن بن فرحون ــــــــــــــــــ حاكم بعد حمادي / مؤيد للبرتغال

بنت عبد الرحمن ـــــــــــــ زهرة

زوجة عبد الرحمن ــــــــــــــ يامنة

الخادمة ـــــــــــــــــــــ حادة

يحيى الزيات ـــــــــــــــــــ طلب القيادة من الملك 1502 / مؤيد لإسبانيا

علي بن قاسم ــــــــــــــــــ قائد في الجيش

يحيى بن تاعفوفت ــــــــــــــــــــ الخائن

عبد الله بن جطو ــــــــــــــــــــــــ سمسار له ميول نحو البرتغال

مسعود وهس ــــــــــــــــــــــــــ يتاجر في العسل والأنعام / ضعيف أمام زوجته

منصور بن سعد الله ــــــــــــــــــــــ تاجر قماش

أحمد بن حدو ـــــــــــــــــــــــ تاجر حبوب

علي  وبورحيس ــــــــــــــــ صاحب مقهى / محب للمال 

2.           الشخصيات البرتغالية

الملك عمانويل

روي ذي ألميدا ـــــــــــــــــــــــ الوكالة التجارية

دييغو ــــــــــــــــــــــــ راهب الكنيسة

جاك بورخيس ــــــــــــــــ قائد الحملة 1498

نونيودي فرايتاس ــــــــــــــــــــــ  مساعد جاك بورخيس

بيرو مانديس  ـــــــــ رئيس الوكالة الجديد

غارسيا ذي ميلو ـــــــــــــــــ قائد الحملة على آسفي 1505

أزامبوخا ـــــــــــــــــــ قائد برتغالي

كارسيا ذي ميلو ـــــــــــــــــ قائد الحملة على آسفي في 1507

3.            الشخصيات اليهودية

أبراهام بن زميرو وإخوته ـــــــــــــــــــــــ تاجر وجاسوس وخائن

 

 

المصادر والمراجع المعتمدة

آسفي و ما إليه                                         محمد بن أحمد الكانوني العبدي

علائق آسفي و منطقتها بملوك المغرب              محمد بن أحمد الكانوني العبدي

رباط شاكر                                              ذ محمد السعيدي الرجراجي

المسجد الأعظم بآسفي                                ذ إبراهيم كريدية

مجاعات وأوبئة وكوارث ضربت آسفي             ذ إبراهيم كريدية

صفحات من تاريخ يهود آسفي                       ذ إبراهيم كريدية

أضواء على الربي ابراهام بن زميرو               ذ إبراهيم كريدية

الولي المجاهد مول البركي                          ذ إبراهيم كريدية

صفحات من تاريخ مدينة آسفي                     ذ محمد بالوز

آسفي في عهد الإحتلال البرتغالي                  جوزيف كولفن

وصف إفريقيا                                        محمد بن الحسن الوزان

تاريخ إفريقيا                                         مارمول

نفح الطيب                                            لسان الدين بن الخطيب

المعجب في تاريخ                                   المغرب عبد الواحد المراكشي

الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى             أحمد بن خالد الناصري

آسفي بين الأمس واليوم                           ذ أحمد بن جلون

حول معنى إسم آسفي                              ذ أحمد التوفيق

مكانة آسفي داخل الإمبراطورية البرتغالية ق 16  د أحمد بوشرب

دكالة و الإستعمار البرتغالي                        د أحمد بوشرب 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الفصل الأول

 

 قبل الباب

 

        بدأت الشمس تميل نحو المغيب ، مرخية أشعتها الذهبية فوق أسوار المدينة وأسطح المنازل . كأن الزمن قد توقف بآسفي ، لا يعكر صفوه إلا أصوات طيور النورس وهي تعود بطانا إلى أوكارها. الحوانيت بدأت تغلق أبوابها وأصحابها في تثاقل ممل يقفلون إلى بيوتهم راجعين . كان الجو باردا ، فالناس على أبواب خريف قاس وطويل . كانت الساحة المقابلة للمسجد فارغة إلا من بقايا بائع الحلزون ، حتى سيدي احبيبي أحس بصدى الزمن يتردد بين أزقة المدينة الضيقة فلملم حاجياته ودخل كوخه و ترك عنتريته دون إتمام .

كان سيدي احبيبي رجلا في الخمسين من عمره طويل القامة أسمر اللون أقرن الحاجبين، عريض المنكبين ، ذو لحية بيضاء تتخللها بضع شعيرات سوداء. كان حكواتي المدينة بامتياز، كان محببا عند الناس . و كانت حلقته تغص دائما بالعشرات من الرجال والأطفال ، إن تأخرت يوما قد لا تجد لك مكانا بين الجموع الغفيرة .

كان سيدي احبيبي يجمع بين الأساطير والقصص وتاريخ الملوك والأمم في تناسق عجيب  وسرد يشد إليه الأنظار و يسلب الألباب  . كان بشوشا يمزج بين الدعابة والتجسيد الفعلي لشخوص قصصه و حكاياته . كان يحضر معه السيف إذا كانت القصة تقتضي ذلك أو يحضر قناعا أو إهابا أو أي شيء يقرب الصورة من الملتفين حوله .

اختار سيدي احبيبي هذه السنة قصة عنترة بن شداد العبسي ، ومضى في وصف قبيلة عبس وعدد خيامها و فرسانها وقوة عنترة وحجم ساعده وطول سيفه وكيفية القبض عليه و عدد مبارزاته . ثم يمضي في وصف عيني عبلة وحاجبيها وثغرها وابتسامتها وطول خصلات شعرها ورائحة عطرها و و .. في دقة متناهية وخيال واسع تجعل الكل فاغرا فاه ينتظر المزيد لإرواء ظمئه . و ببراعة فائقة كان يختار متى يجب عليه أن يتوقف و ينهي حصة اليوم ويترك الجميع في شوق للتتمة ضاربا لهم موعدا في الغد  في نفس الزمان ونفس المكان .

لا أحد من سكان آسفي كان يعرف نسب سيدي احبيبي . فقد جاء ذات صباح رفقة زوجته مدعيا أنه من نواحي مراكش ، لكن معرفته بالأنساب والملوك وتاريخهم والأمثال والشعر جعلت البعض يقول أنه من علماء فاس الهاربين من ظلم سلاطينها ، وآخرون اعتبروا أن علمه بفنون القتال وقوته البدنية الهائلة رغم تقدمه في السن دليل على انتظامه سابقا في جيش مملكة مراكش أو مملكة فاس . لكن لا أحد عنده الخبر اليقين . ومهما يكن فلسكان آسفي من الطيبوبة و حسن الخلق ما يجعلهم يكرمون ضيفهم كأنه واحد منهم

أظلمت المدينة على غير عادتها هذه الليلة إلا من قناديل لا تكاد تضيء نفسها . و زاد من قتامة الوضع الأخبار القادمة بشأن جيش حمادي بن فرحون ــ حاكم آسفي ــ التي كانت لا تفرح البتة، فقد تحدث الناس عن كمين وهزيمةََ .

ظلت آسفي ونواحيها تحت سيادة مولاي ناصر بوشنتوف  بالاسم فقط إلى حدود 1460 إذ بعد هذا التاريخ تمرد الإقليم وصار الحكم لعائلة بن فرحون التي استبدت به دون غيرها من العائلات المعروفة آنذاك .

كان حمادي رجلا قوي الشكيمة ، مرهوب الجانب ، طويل القامة والوجه معقوف الأنف ، ذو صوت جهوري . لا يحب أن يزاحمه في الحكم أحد . وكان انفراده واستئثاره بالحكم قد سبب له العديد من المشاكل. ثم إن تفضيله للتجار البرتغاليين على الإسبانيين جعل آسفي منقسمة على نفسها أحزابا وطوائف ، مما أثر سلبا على حياة الناس فعمت الفوضى بينهم .  في خضم هذا الواقع أحس حمادي بالدسائس بدأت تحاك ضده ، كل يسعى للانقلاب عليه والجلوس مكانه . هذه المؤامرات ظلت تطفو على السطح مرة وتغيض أخرى ، والأنكى من هذا أنها كانت تتم من قبل أعضاء العائلة الحاكمة ومن المقربين إلى حمادي بالذات . فكان من مكره ، وقبل خروجه في حملة تأديبية لجماعة من اللصوص وقطاع الطرق على ضفاف أم الربيع ، أن أرسل في طلب يحيى الزيات أحد المقربين منه في جوف الليل و في سرية تامة .

ـــ اسمع يا يحيى سأبعثك في مهمة في غاية الأهمية والسرية . وقد اخترتك لمكانتك مني . ستذهب إلى البرتغال بعد خروجنا ، تعلل بأنك مريض أو أي شيء ، وأبلغ الملك عمانويل ولاءنا وإخلاصنا ، واسأله الدعم والمساندة واطلب منه تجديد الاتفاقية السابقة . 

ـــ ومتى يكون السفر ؟

ـــ الليلة  قبل الغد و لا تطلع أحدا على ذهابك أو قدومك.

أشرقت شمس اليوم الموالي و أخبار الهزيمة لا زالت تتواتر على المدينة، والناس في ضيق و خوف شديدين. التجار لم يرقبوا في أهل آسفي إلا ولا ذمة ، المسلمون منهم واليهود على حد سواء .  المضاربات على أشدها ، فالأسعار ارتفعت والسلع قلت و لا أحد يعلم ما يخبؤه الغد.

عاد عمي إدريس من الصيد صحبة مساعده مبارك  بعدما أمضيا الليل كله في البحر بقاربه الصغير.كان الصيد وفيرا و كان الميناء رغم صغره يضج بالحيوية و النشاط، وكان من عادة الصيادين رفع أصواتهم بالصلاة على رسول الله عند إنزال ما اصطادوه من قواربهم . كما كانت أصوات الباعة والمشترين ترتفع كلما فتح الدلال المزاد بصوته الذي يعلو ولا يعلى عليه .صخب الميناء ورائحة البحر توحي للزائر باحتفالية عفوية أبطالها البحارة و مسرحها السوق. حمل عمي ادريس ما يريد من سمك وترك الباقي لمساعده مبارك  ليبيعه هناك . دخل بيته ووضع سلته ثم نادى على زوجته صالحة . قدمت له هذه الأخيرة بيضا مقليا وخبزا وشرابا من الزعتر البري . سأل عن محمد ومريم ، ثم تأوه شوقا لإبنه صالح .

 صالح ،الابن البكر لعمي ادريس ، إنه يتابع دراسته في مدرسة دينية  بناها أحد العلماء يدعى عبد الرحمن الملقب بمول البركي بأرض الشهيبة  . أكل عمي ادريس بشهية فهو محب للبيض ثم غفا قليلا . تركته صالحة يستريح قليلا و ناداها مرة أخرى لما استيقظ.

ــ  احملي من رزق الله إلى دادة سعادة  فالخير وفير والحمد لله ، أما أنا فسأزور سيدي احبيبي فقد طلب مني مند مدة سمكة شابل ، وٍ سأزور إمام المسجد فلم أهده شيئا مند زمن وبعده  أخي العياشي فقد أتأخر عنده قليلا فلا تنتظريني بالغداء .

عمي إدريس رجل طيب للغاية ، كريم معطاء.كان بيته يتكون من غرفتين و لكنه كان عامرا بالقناعة. فقد كان يردد دائما مقولته المعروفة " البيت الذي تسكنه القناعة لا يدخله الجوع". كان يقسم ما اصطاده إلى ثلاثة أقسام جزء ينفقه عليه و على أهله وشطر لمساعده وقسم ثالث يهديه أويتصدق به. كانت يده ممدودة بالحسنى إلى كل الناس . طيب المشعر ، لين العريكة . وهبه  الله زوجة صالحة .

 كانت صالحة  اسما على مسمى ،  تعود المرضى  ، تخدم النفساء ، تعين الملهوف . لها صداقات متميزة مع نساء المدينة . كانت خدومة لبيتها و زوجها فلم يسمع عنهما أنهما تشاجرا أو على صوت أحدهما على الآخر. كانت صالحة  تحنو كثيرا على دادة سعادة. كانت كلما حضرها شيء متميز أهدت منه لها و كلما كان عندها فضل من طعام أو كسوة إلا ونالت منه دادة سعادة نصيب .

 دادة سعادة امرأة فقيرة توفي زوجها وهي ما تزال شابة . فلم تجد  بدا من البحث عن لقمة العيش . تخدم في بيوت المدينة نظير حفنة دقيق أو قارورة زيت أو حفنة تين مجفف. كانت دادة  تنتظر من بن فرحون التفاتة ما ،فزوجها توفي في إحدى معاركه ضد الوطاسيين ، لكن لا شيء تحقق من ذلك ،فكما حاولت الدخول على حمادي كان الحرس لها بالمرصاد . فكانت تدعو عليه دائما في صلواتها بزوال ملكه.

 

********

في الشاطئ المقابل للمغرب كانت لشبونة في أبهى أيامها وأزهى عصورها . كان عمانويل يلقب بالملك المحظوظ لتوافر شروط التمكين له في الأرض قلما وجدت لغيره  .كان متدينا إلى حد التطرف ، بحيث كان يعتبر اضطهاد المسلمين ومحاربتهم واحتلال أراضيهم واجبا مقدسا .كما كانت الكنيسة تبارك هذا العمل فكانت الرسائل بذلك تتبادل مع البابا الأعظم تخبره أولا بأول وتصله بركات هذا الأخير.

وصل الزيات القصر الملكي بلشبونة بعد عناء السفر وانتظار ممل دام عدة أيام من أجل لقاء الملك .ساورت الشكوك الزيات وخاف من فشل المهمة ومن ضياع مكانته لدى حمادي ، فصار يسأل من في القصر عن جدوى هذا التأخير  . كما مارس الملك ضغط نفسيا رهيبا على ضيفه، فقد أعطى لنفسه هالة كبرى جعلت الزيات لا يقدر على مناقشته. ولما جاء موعد الاستقبال تعمد الملك التأخر وتم عزف موسيقى عسكرية تصم الآذان تلتها تحركات للحرس في أروقة البلاط ،مصحوبة بمظاهر من الأبهة والتعالي .

وقف الجميع واجما مطأطئ الرأس ، ثم جاء الملك فانحنى الجميع تحية له بما فيهم يحيى ، ثم أعطى الإذن للزيات الذي تقدم خطوات وقال

ـــ  مولاي صاحب الجلالة الملك المعظم عمانويل ، جئتكم يا مولاي رسولا من عند سيدي حمادي بن فرحون فهو يا مولاي يبلغكم آيات الولاء والإخلاص لعرشكم المفدى ، راجيا من جلالتكم العون والمساندة  وتجديد الاتفاقية.

سكت الملك برهة حتى سرى الرعب في يحيى .

ـــ  أمهلنا حتى نرى رأينا .

كان اللقاء سريعا ومقتضبا. و توالت الأيام والزيات ينتظر وحمادي يتحرق شوقا لمعرفة رد الملك . وكانت هذه المدة التي قضاها الزيات في لشبونة كافية لإسكات أي نقاش أو إبداء أي اعتراض على شروط الملك فقد تم إتقان اللعبة ترغيبا وترهيبا في آن واحد .

ولما حان اليوم الموعود أعيد حبك نفس السيناريو السابق

ـــ أبلغ عاملنا على آسفي رضانا وإنعامنا عليه بقبول ولاءه لنا  ، و إذ نعده بتقديم العون والمساندة فإنه يتعين عليه الوفاء بشروطنا .

فتح مستشار الملك فرنانديز رسالة ثم بدأ يملي 

ـــ بعد إذن مولاي المعظم ، يتعين على عاملنا على آسفي الوفاء بما يلي :

ـ رفع العلم الملكي فوق أهم بناية في المدينة .

ـ على أعيان المدينة وممثليها أداء اليمين بالولاء والإخلاص للملك المعظم .

ـ دفع 300 مثقال من الذهب الخالص أو ما يعادله من شمع العسل أو منتوجات أخرى .

ـ إرسال جوادين أصيلين مع بداية شهر شتنبر من كل سنة لمولانا الملك .

ـ تشييد وكالة تجارية لصالح رعايانا هناك .

و بالمقابل يحق لتجاركم دخول مملكتنا دون أن يؤدوا حقوقا جبائية أخرى غير الحقوق المفروضة على التجار البرتغاليين .

 لم يتكلم يحيى ، وقع على الاتفاقية ثم تراجع إلى الوراء فأشار إليه الملك بالانصراف.

انتهت المقابلة سريعة كسابقتها . فخرج الزيات مطأطئ الرأس لا يدري ما يقول .

تقدم المستشار فرنانديز نحو الملك ثم قال

ـــ هل يأذن لي مولاي الملك بالسؤال؟

هز عمانويل رأسه موافقا

ـــ هل ستأذن لهؤلاء العرب بدخول الأسواق البرتغالية ؟

ـــ أتمزح يا فرنانديز ؟ ......أنا أفهمك جيدا يا فرنانديز إن وراء الأكمة ما وراءها ، فأفصح بالقول                         

ـــ أرى يا مولاي أنه لا ثقة في ابن فرحون ولا في غيره.... والرأي يا مولاي بعد إذنكم طبعا أن تكون لنا السيطرة الميدانية والفعلية على هذه المدينة. فهي كما تعلم والأراضي المحيطة بها جنوبا وشرقا وشمالا ذات تربة جيدة تنتج الكثير من الحبوب والخضروات كما توجد بها غابات الأرز والصنوبر والزعرور وفيها من أشكال الطيور و الطرائد وغيرها الشيء الكثير . وهذه المدينة يا مولاي، لها نشاط تجاري متميز ويدر أرباحا طائلة . فما يروج في أسواقها من القمح والأسماك والخيل العربية الأصيلة لا يعد و لا يحصى ، والتبر أجل يا مولاي ، التبر المجلوب من غينيا والعسل والشمع ذو الجودة الرفيعة والرائحة الزكية والصمغ وغيرها يا مولاي لا يمكن وصفه  ....... يا مولاي من الحزم ألا نترك بلدا هذا شأنه في يد زمرة من اللصوص والمرتزقة ، فلا أمان لهم ، فقد ينقلبون بين عشية وضحاها نحو إسبانيا .

نظر إليه عمانويل بانبهار و قال

ـــ ادع لي القادة و الوزراء غدا لنتدبر هذا الأمر.

********

غاضت الأرزاق وأصبح الناس في ضيق شديد من جشع بعض التجار الذين غالوا في الثمن وطففوا في المكيال. أحمد بن حدو أكبر تاجر حبوب في المدينة ، احتكر تجارة  القمح والشعير والقطاني ، يبيع بما يريد ولمن يريد ويمنع من لا يريد . موشي اليهودي بالغ في المضاربة وأرهق كاهل الناس بالربا . وآخرون انتهزوها فرصة للاغتناء السريع على حساب الساكنة المغلوبة على أمرها .

لم تنفع الكميات التي طرحها مولاي المهدي في السوق، فقد كانت غير كافية، فالخوف من المجهول جعل الناس تشتري أكثر مما تحتاج وتدخر للأيام العصيبة القادمة. اختفت الحبوب من السوق وكذا القطاني . زيت الزيتون أصبح يباع في الخفاء و بأثمنة غير معقولة . الشمع لم يعد له وجود والسكر حدث ولا حرج .

صار الناس يرددون و في بيوتهم ومجالسهم ماذا لو انهزم جيش حمادي ؟ ماذا لو أصبحت المدينة عرضة للنهب و السلب والتخريب من قبل عصابات اللصوص وقطاع الطرق ؟ فليست ثمة سلطة قائمة والمغرب كله يموج بين السيبة وانعدام الأمن . ماذا لو استمرت الأزمة وجاءت المجاعة ؟ ماذا سيحيق بأبنائنا و نساءنا و مدينتنا ؟ أسئلة كثيرة بقيت معلقة لم يجد لها سكان آسفي جوابا .    

رجع مولاي المهدي هذه الليلة إلى بيته مهموما، استلقى فوق فراشه، ظل على غير عادته يحملق في السقف ويتأوه كمن به وجع. فقد كان من دأبه مداعبة ابنته الصغيرة رحمة ويحمل لها في جيبه قطع من الحلوى أو الكعك، كما كان من دأبه مجالسة ابنه عبد الله ومتابعة حفظه لكتاب الله عند إمام المسجد البشير. غير أن هذه الليلة تختلف عن باقي الليالي فساد جو من الصمت غير معهود داخل البيت.

 جاء مولاي المهدي فارا من الأندلس بعدما قتل أبويه وأختيه في حرب الاسترداد. فر ناجيا بجلده ، فاستقر مدة من الزمن بفاس . لم يطب له المقام بها طويلا فاختار آسفي لبعدها عما يذكره بأرضه و أهله ، فغالبية القادمين من الأندلس استقروا بشمال المغرب . قدم شابا يافعا ، كان متوسط القامة ذو بشرة بيضاء وشعر أشقر ووجه مستدير تلفه لحية مشذبة في لون شعره . كان ملما بفنون التجارة ، استطاع في وقت وجيز أن يجد له موطئ قدم ،  بصدقه ودماثة خلقه ، وسط كبار التجار أمثال بن حدو وموشي غيرهم . تزوج للا زينب فكانت له نعم المعين رزق منها بولدين عبد الله ورحمة .

اقتربت للا زينب من زوجها مستفسرة عن سر قلقه وضيق صدره .

ـــ الناس في ضيق شديد يا زينب ... والمؤن في تناقص والأخبار القادمة من جيش إبن فرحون لا تبشر بخير ...... إننا مقبلون على أيام عصيبة ..... ونخشى أن تصيب الناس مجاعة.

 ـــ وكيف هي أحوال باقي التجار ؟

ــــ غير آبهين لشيء

صمتت للا زينب قليلا ثم قالت :

ـــ ومن أخبركم بهزيمة إبن فرحون ؟

ـــ هي أخبار فقط  يتداولها التجار .. ولكنها متواترة

ـــ وماذا لو كانت كاذبة ؟

ـــ ماذا تقصدين ؟

ـــ أظنك لبيبا بما يكفي

انتفض مولاي المهدي من مكانه كأنما نشط من عقال وخرج.

 بدأت رحمة تبكي عدم اهتمام أبيها بها فاحتضنتها للا زينب وهي تقول

ـــ لا تبك صغيرتي سيعود كل شيء كما كان . سيعود كل شيء كما كان .

أكمل مولاي المهدي حديثه مع خادمه فرج ثم عرج على المسجد . صلى الإمام المغرب بالناس ثم التفت إلى الناس . كان الصف الأول غير مكتمل ، فليس من عادة أهل المدينة التخلف عن الصلاة. كان إحساسا غريبا أن ترى الخوف في أعين الرجال. الخوف من المجهول ، الخوف من المستقبل .الخوف  حتى من الخروج ليلا . تمتم السي البشير بكلمات مبهمة ثم قال

ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله .

انتظر عمي ادريس حتى تفرق الناس ثم اقترب منه ، فبادره السي البشير بالقول

ـــ ادلهمت ولا ابن تاشفين لها ..... أي زمن نعيش ؟.....كنا دولة فأصبحنا دويلات صغيرة  ، تسلم أمورها لكل من هب ودب ، إمارة وطاسية عاجزة في فاس و الهنتاتيون بمراكش لا يحكمون سوى المدينة ، بن فرحون على دكالة  و آسفي والجزوليون بحاحا ، وبن عوروض بالجبل الأخضر. إنه عصر ملوك الطوائف يا إدريس. إيه يا زمن ....... والأغراب ينهشون لحمنا و يسرقون غلاتنا ويتوسعون يوما بعد يوم، ونحن نتفرج ..... بالأمس وكالة تجارية واليوم كنيسة .....وغدا لا يعلمه إلا الله.

ـــ وما بوسعنا أن نعمل  يا إمام؟

ـــ هل تعتقد أن ابن فرحون ــ وهو الطاعن في السن ــ قادر على ضبط أمور المدينة. أخشى أن تتحول التجارة إلى احتلال عسكري.

ـــ لقد أخفتني يا إمام. لم أفكر في الأمر هكذا

ـــ وهل نسيت طنجة والقصر الصغير والعرائش؟......

ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وما العمل يا إمام ؟

ـــ لكل أجل كتاب ......الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ....صدق الله العظيم

ـــ صدق الله العظيم .

في البيت المجاور للمسجد جلست يامنة في صحن دارها بين جواريها ووصيفاتها وهن يغنين ويرقصن ، غير آبهات بما يجري بين أسوار المدينة وما حولها . فقد كان لغياب صاحب البيت نكهة خاصة  إذ يفتح الباب على مصراعيه للحرية و البهجة والسرور . كان بيتا فسيحا تتوسطه نافورة ماء تحيط بها حدائق ذات بهجة فيها من كل أصناف الورود والرياحين وغيرها . في زاوية من صحن الدار أعدت الأرائك من الجلد والوسائد و الزرابي ، وموائد فيها ما تشتهيه الأنفس من أكل وشرب وعطور.

كان عبد الرحمن من عائلة بن فرحين و من المقربين جدا من حمادي ، كما كان مقدما في جيشه ، فهو قائد و فارس شجاع . لم يكن يتخلف عن حملات عمه إلا لمرض أو عذر قاهر.

 تزوج عبد الرحمن يامنة و هي من عائلة مترفة ، لم تعرف يامنة الضنك و لا الغم إلا من قسوة زوجها وقوة شخصيته وكثرة أسفاره ، لكنها كانت وفية لحياة اللعب واللهو كلما غاب رب البيت. بيد أنها لم ترزق معه الا ببنت وحيدة أطلقت عليها إسم زهرة . كانت ليامنة رؤية عجيبة جدا للحياة ،الاستمتاع ثم الاستمتاع  و لا شيء غير الإستمتاع ، فلا شيء في الحياة يستحق الاهتمام ، وما دام المرء على قيد الحياة فحري به أن يغرف من معينها دون ضوابط أو قيود . كانت هذه هي فلسفة يامنة في هذه الدنيا ، زادها في ذلك وفرة المال وكثرة الخدم ومسايرة وصيفتها حادة لها  ؛ المقربة منها و صاحبة أسرارها ؛ في كل نزواتها  . هذه الأخيرة التي تفهمت نفسية يامنة فكانت لها كير جمرها وزيت نارها ، كلما انطفأ لهيبها زادتها أوارا.

كانت حادة ذات الأربع والعشرين ربيعا تفيض حيوية وأنوثة  ، كانت لعوبا و دائمة الابتسامة و ذات ذكاء ثاقب، وهي صفات جعلتها المقدمة عند سيدتها بل وكاتمة أسرارها ومستشارتها في شؤون الخدم والمطبخ وحتى في حياتها الشخصية و الحميمية . لكنها كانت تحتفظ  بين جنباتها بحقد دفين يمتد لسنوات خلت أيام كانت تعيش في بيت أبيها رفقة أمها وأخيها الصغير .

في أسرة فقيرة ، تعلمت حادة الحياء والرحمة والمحبة ولم يعكر صفوها سوى عصابة من اللصوص قتلت أباها وأمها وسبتها . بيع أخوها في سوق النخاسة ، فتعرضت وهي بنت الثلاثة عشر ربيعا للاغتصاب  ثم بيعت لأسرة غنية في أزمور. ولم يكن حالها في هذا البيت أفضل من حياة السبي إذ ظلت تتعرض للإيذاء الجسدي ثم الجنسي من قبل صاحب البيت وابنه الأكبر. ثم ساقتها الأقدار إلى بيت عبد الرحمن بعد أن أهداه إياها مالكها الأول . هذه الأحداث أثرت في نفسها وتركت جرحا غائرا لم يندمل ، فأقسمت أن تنتقم من كل ذي سلطة ومال ، انتقاما لا حدود له ، لا يستثني الأب والزوجة والأبناء ، فهو المنشأ وهم الامتداد

عادت حادة من السوق ووجهها طافح بالبشر. عادت وفي جعبتها شيء ما . فهمت يامنة أن الأمر يستدعي السرية فأشارت إلى الجواري بالانسحاب .

ـــ سيدتي اعترض سبيلي القائد علي بن واشمان ، وقال لي إنه يريد زهرة للزواج و يرغب منك أن تقبلي ......... وقد أهداك هذا الخاتم .

ـــ القائد علي بن قاسم ؟، ألم يخرج مع سيدك عبد الرحمن في جيش حمادي؟

ـــ أبقاه القائد حمادي نائبا عنه حتى يعود ... ماذا قلت سيدتي ؟

ـــ زهرة ما زالت صغيرة ......والأمر لأبيها فهو من يقرر و لست أنا ....

أجابتها وهي تقلب الخاتم في أصابعها . اقتربت منها حادة في خبث و مكر و قالت

ـــ يبدو أنه قد أعجبك الخاتم ...... سيدتي هو يطلب منك ألا تعلمي سيدي عبد الرحمن حتى يعلمه هو بنفسه ،كما أن يظل الأمر في طي الكتمان . فهو ينتظر الفرصة المواتية ليفاتحه في الموضوع ... فقط  يريد موافقتك في البداية .

ـــ كيف يريد موافقتي وأنا لا أملك من الأمر شيئا ؟

ـــ سيدتي ،... لدي فكرة ،.... نسايره في هواه وحين يحين الجد فالأمر لسيدي .... نسايره فهو رجل ذو مال وجاه وله علاقات كثيرة مع التجار البرتغاليين والإسبان و فوق هذا فهو يغدق على من يحب بغير حساب وما الخاتم الذي بين يديك إلا غيض من فيض . ومثل هذا الرجل لا ينبغي أن يضيع من بين أيدينا

ـــ وكيف عرفت عنه كل هذا يا لئيمة ؟

ـــ وهل أنا إلا متعلمة مبتدئة عند معلمة اسمها للا يامنة

ابتسمت يامنة و جالت بخيالها في ما قالته حادة ، وابتسمت معها هذه الأخيرة  بعد أن أدركت أن أولى خيوط اللعبة قد بدأ ينسج . لعبة لا يعرف تشعب خيوطها ولا أهدافها إلا خالقها وهي.

 كانت حادة تدرك أن أول الطريق يبدأ من يامنة ويمر عبر زهرة ، التي وإن كانت الحلقة الأضعف فإن كل شيء رهين بها بمدى قدرة حادة على إقناعها لتقبل الأمر .

 ولدت زهرة في هذا المنزل من أب قوي الشخصية مهيمن في قراراته وغافل عن مسؤولياته تجاه أسرته  وأم لاهية غير عابئة بتبعات الزواج  مستمتعة بمباهج الحياة دون قيود . كبرت زهرة  و لم تتجاوز بعد ربيعها الخامس عشر وكبرت معها أحلامها وآمالها و تصورها للحياة حسب ما تراه و ما تعاينه صباح مساء .كانت بارعة الجمال ، وجه صبوح وثغر باسم و وشعر طويل فاحم وقد ممشوق ، صفات قلما توجد في امرأة. ومع هذا فهي لا تزال غرة وغضة طرية لم يلفحها لهيب الزمن ولم تعرف من تقلبات الدهر شيئا .

أدركت حادة هذه المعادلة  فبدأت الخطة.

 كانت زهرة محتاجة لحنان الأم وعطف الوالد . كانت بحاجة إلى من يقود سفينتها ويفتح أشرعتها ويوصلها إلى شاطئ الأمان . أحست حادة بمدى الفراغ الذي تركه غياب أبويها القاتل في نفسية الفتاة  فبدأت تلازمها باستمرار وتسليها . تقدم لها العون ، تدافع عنها أمام أمها إن صدر منها تصرف ما . كما كانت تساعدها في بعض شؤونها الخاصة .أمام هدا الحنو المتزايد من قبل حادة أصبحت زهرة مدمنة على دعوتها إلى غرفتها ليلا فتقضي  معا الساعات الطوال بل تدعوها في كثير من الأحيان إلى المبيت معها .

كانت حادة بالنسبة لزهرة كشهرزاد لشهريار ، ما إن تقارب قصة على الانتهاء حتى توري بأخرى ، فازداد نهم الفتاة لذلك . كانت قصصا مستوحاة من الخيال ، قصص كلها عن العشق والهيام  ، تحكي عشق المغرم الولهان بحبيبته فتمنعه التقاليد و العادات من اللقاء والوصال .فيكابد البعد والحرمان، فيضحي العاشق بنفسه ليراها لكنه يسجن ويعذب ويهان . وتتألم المحبوبة التي تسارع لفك أسره فتنجح وتكسب الرهان، فينكشف السر وتساق الفتاة إلى ساحة الإعدام باعتبارها خائنة. وقبل لحظات التنفيذ يظهر المتيم الولهان مقدما نفسه ليعدم بديلا عن حبيبته بكل سكينة واطمئنان. فيتدخل القاضي لدى الحاكم طالبا الصفح عنهما فقد أبديا حبا نادر الوجود قلما عايشه إنسان، فيصفح الوالي وتقام الأفراح والليالي الملاح وتنام زهرة مخدرة ومدغدغة المشاعر والأحلام الوردية تحت وسادتها، فما يوقظها إلا نور الصباح .

*********

سمعت دادة سعادة طرقا خفيفا على الباب وهي تستعد للنوم . لم تقلق لهذا الأمر فقد تعودت كثيرا هذه الطرقات حين يبدأ مخاض الولادة لدى كثير من نساء المدينة . كانت دادة عارفة بأحوال النساء بدءا من الحمل وعلاماته الأولى مرورا بشهور الثقل وانتهاء بالوضع وما يليه من أعراف و تقاليد تتعلق باليوم السابع و العقيقة وغيرها وما يجب على النفساء أن تأكل وما لا تأكل . كانت بحق موسوعة ومرجعا تهرع إليه نساء المدينة كلما حزبهم أمر . وقفت دادة سعادة وراء الباب دون أن تفتحه ثم استفسرت الأمر.

جاء الجواب مبحوحا وخافتا

ـــ دادة سعادة أنا المدني ...بائع الفخار.... زوجتي أم الخير جاءها المخاض وليس تم من يساعدها.

ـــ خيرا إن شاء الله..... انتظرني يا ولدي.....

بدا المدني خائفا مرتجفا يقطع صحن داره جيئة و ذهابا ويدعو بكلمات غير مفهمة . طال انتظاره و صرخات أم الخير تمزق أحشاءه ، فما عليه إلا الانتظار و الدعاء

ـــ اذهب وادع لي زوجة إدريس ....

ـــ ولكن عمي ادريس في البحر ولا يمكنها الخروج دون إذنه ونحن في الثلث الأخير من الليل .

ـــ اذهب وادعها ولا بأس عليك فإدريس لا يخرج للصيد ليلة الجمعة.

لازالت أم الخير تتوجع ، فهذا حملها الأول . تزوجها المدني منذ أربع سنوات بيد أنهم لم يرزقوا بأبناء طيلة هذه المدة . فانطلقت ألسنة السوء لتشجع المدني على تطليقها والزواج بأخرى . طافت هذه الأفكار برأسه فلم يجد غير إمام المسجد السي البشير يستفتيه في الأمر . كان البشير حكيما في قوله

ـــ ما ذنب هذه المرأة إن كانت لا تلد ؟ أليس الله هو الخالق و الرازق و البارئ المصور ؟  يهب لمن يشاء الإناث ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ، ثم ألا يمكن أن تكون أنت العقيم بدلا عنها . يا ولدي كل من عند الله ، إصبر على زوجك وادع الله عسى أن يرزقك الذرية الصالحة .

تذكر المدني هذا الشريط من الذكريات وهو في الطريق عائدا صحبة إدريس وزوجته صالحة . لملم أفكاره وتقدم نحو الباب لم يسمع صراخا لزوجته. خامرته الشكوك وانتابه إحساس غريب وازدادت حيرته أكثر بعدما دلف إلى داخل البيت . الصمت المطبق يلف المكان ، التفت إلى إدريس وزوجته طالبا منهما الدخول ودقات قلبه تزداد خفقانا . ما الذي حصل ؟ هل ماتت أم الخير؟ ومات ما في بطنها ؟ استحيا أن يقوم بفعل يحسب عليه وينقص من قدره . طال صبره ، حتى دادة لم تحرك ساكنا ولم تنطق ببنت شفة .

ـــ رباه ما العمل وما الذي حصل ؟.

 دخلت صالحة زوجة إدريس البيت الذي تنام فيه أم الخير ثم أطلقت زغرودة اهتزت لها أرجاء البيت واهتز معها كيان المدني الذي لم يجد سوى كرسي أرخى بجسد المنهوك عليه و هو يتمتم بكلمات في صدره.

ـــ رباه ما أكثر فضلك وما أكثر نعمك التي لا تعد ولا تحصى رباه كم كنت ضعيفا وتافها إذ أسأت بك الظنون . ربا اغفر لي .

 كابد المدني مشاعره الجياشة ثم أطلق لنفسه العنان في بكاء حار وطويل . احتضنه إدريس بين ذراعيه مهنئا و مبشرا بمولود ذكر. في نفس اللحظة انطلق أدان الفجر

ـــ الله أكبر الله أكبر أشهد الا إله إلا الله ..............

بعد صلاة الصبح تقدم المدني من الإمام و وجهه يتهلل من الفرح شكرا إياه على ما قدمه له من نصيحة

ـــ سيدي الإمام الفضل يعود بعد الله إليكم و لا فإني أطلب منكم طلبا... سمه بما شئت

ابتسم البشير ودعا له بخير وقال

ـــ لقد سماه الله محمدا،  فقد صدع اسمه من فوق كل المآذن.

هذا الصباح تأخر مولاي المهدي في المسجد على غير عادته.

بعد أذان الجمعة وقف البشير خطيبا في الناس فاستفتح وصلى على المصطفى ثم استرسل يحذر من ترويج الإشاعة وأضرارها على المجتمع. كما حذر الذين يغتنون على حساب آلام الآخرين ودعاهم إلى التوبة . وفي الخطبة الثانية قال

ـــ أيها الناس وصلني خبر يقين . إن جيش القائد حمادي بن فرحون بخير، وقد تمكن بفضل الله من تأديب جماعة اللصوص وقطاع الطرق وهو الآن يرابط قرب المدينة في قبائل الغربية و سيقدم خلال الأيام القادمة ريثما تستقر الأوضاع هناك فقد أرسل مولاي المهدي خادمه فرج في بعض شأنه على الغربية وهناك رأى ما أخبرتكم به . فلا داعي للخوف أو الهلع، وباشروا أعمالكم في هدوء وسكينة.

ارتفعت أصوات المصلين بالتكبير داخل المسجد وبعد الصلاة وقف فرج قرب المنبر كان رجلا قصير القامة أسود اللون دو بنية قوية جميل الوجه. يظهر عليه الوقار و قال

ـــ وصلت المدينة متنكرا في لباس متسول ، وهناك جمعت ما يكفي من معلومات ، لكني ارتأيت أن أرى بأم عيني ، فانتظرت حتى حل الظلام فاقتربت من معسكر الجند المرابط بالقرب من المدينة ، صعدت شجرة ضخمة مما سمح لي بالرؤية من فوق .سمعت ضحكات الجند و رأيت الفرحة في أعينهم ...أجل  فرحة النصر في عيون الجند وتصرفات القادة . رأيت الأسرى مكبلين في ناحية المعسكر ورأى الغنائم وهي محروسة في الناحية الأخرى . كان الجند يضحكون ويمرحون ونيرانهم مشتعلة تنبعث منها روائح طهي الخبز واللحم المشوي.

 خرج الناس يحملون فرج فوق أكتافهم يهتفون باسمه وباسم جيش بن فرحون و يلمزون مروجي الإشاعة.

بعد كل صلاة جمعة كان من عادة مولاي المهدي أن يدعو بعض أصحابه لتناول وجبة الغداء عنده في البيت. لكن هذه المرة كانت دعوته فيها نوع من الانتقاء والاصطفاء .

ـــ سيدي الإمام هذا مساعدي مبارك وهو على ما أنا عليه من العهد والميثاق معك. وأنا أثق فيه وقد تحدثت معه في الأمر .

ـــ أحضره معك إلى بيت مولاي المهدي ولكن ادخلا من باب الوكالة وليس من باب الدار.

لم يكن حول المائدة سوى عمي إدريس ومبارك و الإمام البشير و طبعا صاحب البيت ، وكان فرج هو من يقدم الطعام كانت الوجبة مكونة من صحن كبير للكسكس مصحوبا باللبن تلاه صحن آخر من الرمان و البلوط . بعد الأكل مد مولاي المهدي رجله اليسرى للتخفيف من آلامها التي كانت تعاوده  بعض المرات .

ـــ لم أشأ أن أعكر صفوكم بهذا الكلام ولكن إحساسي بالمسؤولية خصوصا وأني قد عشت من قبل تجربة ضياع الأندلس ولا أريدها أن تتكرر في المغرب . إننا نعيش نفس الأحداث التي عاشتها الأندلس ، النزاع أولا ثم الفرقة ثم تأسيس دويلات يعادي بعضها بعضا و هذه الإمارات لم تسلم هي الأخرى من هذا الوباء ب الدسائس و المؤامرات . وإليكم آسفي نموذجا حمادي لم يعد قادرا على ضبط أمور المدينة ولقد عشتم الإشاعة و ما خلفت ، والنزاع سيكون على أشده بين عبد الرحمن وابن الزيات ، من منهم سيخلف حمادي وهما من داخل البيت الحاكم ، والقادمان علي بن قاسم ويحيى بن تاعفوفت لا ندري أية بوصلة لديهما .

ـــ وطبعا للوصول إلى كرسي الحكم لا بد من تنازلات و من دماء تسفك .

قالها الإمام بحسرة بالغة .

ـــ التنازلات ستقدم للأجنبي طبعا من أجل الحصول على الدعم والمساندة ، ومن يتنازل أكثر سيكون الأوفر حظا للفوز بالحكم . والدماء ستكون دماءنا  ، نحن وقود الحرب . ولا أخال الأيام القادمة إلا أيام فتن وقلاقل .

ـــ هل تأذنون لي بالكلام ؟ ـ

 نطق بها مبارك بينما عمي إدريس يضع يديه على رأسه من هول ما سمع . ضحك مولاي المهدي وقال

ـــ ومتى عهدت فينا منع الكلام إلا بإذن. هنا أمر قد كثيرا أهمني وأريد أن أشرككم فيه .

ـــ مادام الوضع هكذا وحمادي وغيره غير مؤهلين  لقيادة المدينة ، لم بشرتم بانتصاراته ومن أعلى المنبر؟

التفت الإمام البشير إلى مبارك مبتسما وقال

ـــ هكذا تكون همة الشباب ..... يا بني لم نبشر به ابتهاجا و حبا فيه ولكن لأننا لا نملك بديلا عنه . وقد علمت ما فعلته الإشاعة بنا . فلا قدر الله لو انهزم وتفرق جيشه في الآفاق أما كانت المدينة الآن تحت رحمة اللصوص وقطاع الطرق ؟ و فوق هذا سنكون لقمة سائغة للبرتغاليين أو الإسبان ؟. فهو على علاته أفضل من الآخرين .

ـــ مرنا يا إمام فانا ومبارك رهن الإشارة ، مرنا وسترى منا ما تقر بك عينيكما

ـــ المهم أن يبقى هذا الأمر سرا بيننا إلى حين تنجلي الأمور بشكل كامل وبعدها يكون ما يكون .

ـــ الأمر لله من قبل و من بعد.

بهده الآية ختم البشير الجمع .

بدت الساحة المقابلة للمسجد تعود لها الحياة  ، بائع الحلزون ينادي بأعلى صوته وصاحب التين المجفف يقلب سلعته تحت أشعة الشمس  وآخرون عادوا إلى أماكنهم السابقة في هدوء وسكينة . في الجانب الآخر من الساحة بدا هناك لغط و تجمع من نوع خاص ، إنه سيدي احبيبي يعود مجددا للحكاية .

أهلا بأهل آسفـــــي           من كل خل منصـــــف

أكرم بهم من معشر          حازوا الجمال اليوسفي

سادوا الأنام كرمــــا          فمثلــــــهم فلتعــرف

إن جئتهم نلت المنى          من غير ما تــــعرف

أو انتجعت جودهـم          فلك ما لم يوصـــــف

بلدتهم طيبــــــــــــة         تقضي بنفي الأســـف

صفق من في الحلقة ترحيبا بما قاله سيدي احبيبي ، ثم تابع قوله

ـــ مازلنا يا سادة في البحث و التنقيب كالعادة ، عن إسم مدينتنا آسفي ،..... فوا أسفي علي إن لم أعرف خبر آسفي .

أسمعوني الصلاة على النبي الأمين، المبعوث رحمة للعالمين

جاء في الأخبار يا حاضرين أنه في غابر الأزمان اجتمع من مدينة لشبونة ثمانية شبان. قالوا لابد من ركوب بحر الظلمات ولو مات منا من مات . فأنشئوا مركبا كبيرا وأدخلوا فيه ماء وزادا كثيراُ ، ثم نزلوا البحر وودعوا الآهل واليابس والبر، فجرت بهم الريح الشرقية اثني عشر ليلة و صباحية. فوصلوا بحرا غليظ موجه ، كدر روائحه ، قليل ضوءه ، فأيقنوا يا سادة بهلاكهم فأنزلوا قلاعهم و سلموا أمرهم لخالقهم . ثم استداروا جهة الجنوب إثنا عشر يوما أخرى للركوب . فخرجوا إلى جزيرة الغنم فوجدوا فيها ما يحصى من النعم ، فذبحوا منها ما يكفيهم وشربوا من عين ماء ما يرويهم وحملوا من فاكهتها و جلود أنعامها ما يغنيهم.

أسمعوني الصلاة على المختار،........

 يا حضار قال الشريف الإدريسي باختصار . ثم ركب الأشاوس الأبطال ،وساروا مع الجنوب إثنا عشر يوما بالتمام والكمال . فلاحت لهم جزيرة ، ونضارة فيها حرث وعمارة . فقصدوها ليروا ما فيها . فما كان غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق وجيش عتيد ، فحملوا إلى مدينة كبيرة ، فأنزلوا أسرى بدار صغيرة .

يا ساداتي الكرام الحكاية لم تنته بعد بالتمام ، ولكن سننهيها فقد أدركنا الظلام .

ضجت الحلقة بأصوات الناس يطالبونه بإتمام القصة، فانبرى عمي إدريس قائلا

ـــ لقد مضى زمن ونحن في شوق إليك سيدي احبيبي ، ثم أن السماء أظلمت بسبب الغيوم أما وقت الغروب فما زال بعيدا .

بعد أخذ ورد وافق سيدي احبيبي على إكمال الحكاية

 ـــ أسمعوني الصلاة على الحبيب  ، لقد رأوا رجالا شقرا ونساء زعرا ولهم جمال عجيب يحار فيه كل ذي عقل لبيب . يا رجال  ، مر على الأسر أربع ليال ، فدخل عليهم رجل عربي اللسان فسألهم فأجابوه بحقيقة الحال فوعدهم خيرا وأخبرهم أنه يعمل لدى الملك ترجمان .

فلما كان اليوم الموالي، دخلوا على الملك في قصره العالي، فلما علم علم اليقين أنهم أبطالا باسلين مستكشفين وليسوا أعداء ناقمين وعدهم خيرا وأرجعهم إلى مكانهم آمنين. ثم أركبوهم البحر يا سادة و جرت بهم السفن كالعادة. فأنزلوهم برا فسيحا و ربطوا أيديهم وأرجلهم ربطا قبيحا، فطلعت عليهم الشمس وهم في ضنك وبيل وسغب شديد حتى سمعوا جلبة وضوضاء من بعيد، فضجوا و صرخوا لعل أحدا ينقدهم ومن الوثاق يفكهم. وجاء القوم وكانوا من البربر، قوم كرام وأهل زيتون و عرعر . فأخبروهم الخبر فقال زعيم البربر . هل تدرون كم بيننا بين بلدكم ؟ و كم ليلة دون أهلكم ؟

فأجابوه يا سادة بأنهم غير عارفين فقال الزعيم مسيرة شهرين ، إذ ذاك قال أحد الشبان وآسفي  فسمي  من ذلك الوقت آسفي

ضجت الحلقة بالتصفيق والصفير والهتافات وهي تمجد سيدي احبيبي وتثني على القصة . لقد كان سيدي احبيبي موفقا بحركاته وإيماءاته في رفع إحساس الناس بمدينتهم و الالتفاف حولها في زمن الفتنة ، كان يقول لهم لا تفرطوا في مدينتكم دافعوا عنها لا ترفعوا أيديكم استسلاما ، فقد صانها قبلكم البربر الأقحاح عن كل باغ وأنتم اليوم الامتداد لذلك الجيل وقد أكرمكم الله بالهداية . فتاريخ مدينتكم أعرق وأبعد في الزمن قدر مسيرة الشهرين من تاريخ لشبونة التي تحاصركم الآن .

كان سيدي احبيبي مدركا لما يقول فقد خبر الزمان و تقلباته وخبر التاريخ و حكاياته وخبر الرجال ومعادنهم و فوق هذا خبر الحروف والكلمات ومعانيها وما تتركه في نفوس القوم إن صدق المبلغ و استوعب السامع . 

***********

 ظلت دادة سعادة طيلة هذه الأيام في بيت المدني تساعد أم الخير فهي حديثة عهد بولادة وتحتاج العون  والمساعدة . بدأ صراخ محمد يملآ المكان ويملأ كيان الزوجين بهجة وحبورا . كان الزوار من الجيران يختلفون في تشبيهه بأمه أو أبيه .كانت أم الخير تضحك و تجيب

ـــ المهم أن يكون صالحا و آنذاك يختار من الأوصاف ما يشاء .

إنه يوم الخميس اليوم السابع للولادة و جميع النساء مدعوات للالتقاء في الحمام. فمن عادة أهل المدينة أن يكون ذهاب النفساء إلى الحمام يوم السابع هو بذلك  يوم فرح وسرور و أكل وشرب ، فقد كان مألوفا عندهم أن تكون جميع لوازم ذلك الحفل على حساب الجيران والأحباب . استطاعت صالحة أن تهيأ جميع الظروف لاستقبال أم الخير ابتداء من تنظيف الحمام جيدا و تجهيزه مرورا بتهيئ  الحلويات وغيرها .

دلفت أم الخير الحمام ببسملة و خطوة برجلها اليمنى تحمل بين ذراعيها الصغير محمد ، تتبعها دادة سعادة بزغرودة هزت أركان الحمام فردت عليها النساء بالزغاريد والأهازيج والصلاة والسلام على خير الأنام وهن يضربن بالدفوف . أحست أم الخبر بفرحة غامرة ، أحست رغم بعد أهلها عنها أن من في الحمام هم أقرب الأقربين إلى قلبها ، أحست بطيبوبة جاراتها و حبهن لها . غمروها بعطفهن وكرمهن ، كانت موائدهن تصل تباعا لبيتها طيلة الأيام الفارطة .

كان الحمام قد زين بالزرابي و والنمارق يتوسطه ثلاث موائد ، حملت الأولى ما لذ وطاب من الحلويات و أشكالها وأوان صغيرة من الفخار مملوءة سمنا وعسلا وزيت الزيتون وزيت الأركان . ووضع على الثانية صينية فيها ما يلزم لصنع الشاي فيما استعملت الثالثة لأدوات الزينة من كحل و حناء وسواك وغيرها .

كما كان من عادة النساء أن يغسلن جميعا مع المرأة النفساء و يذهبن معها بعد انتهاء الحفل إلى بيتها و أن تتكفل إحداهن بإعداد الطعام هدية منها للجميع . لم تغفل دادة سعادة أي شئ من تقاليد المدينة و لم تدع للا زينب الفرصة تفوت دون أن تتشرك معهن في هذا الفضل ولو من بعيد.

بعد العودة إلى بيت المدني جاءت يطو ـ خادمة للا زينب ـ تسبق فرج ومعه أربعة رجال يحملون الطعام وفي يدها لفافة من القماش هدية من سيدتها لأم الخير. تعالت الزغاريد مرة أخرى وسط الدار مع الصلاة على النبي . كان حفلا بهيجا حنت إليه نساء المدينة بعد الضنك الذي عايشنه الأيام الأخيرة.

لكن أهل بيت القائد عبد الرحمن كانوا في شغل آخر فاكهون إذ بدأت الهدايا تتقاطر على يامنة  ، هذا حرير من البرتغال وها عطر دمشقي وذاك عقد من روما . فلم يعد بمقدورها مقاومة هذا التيار الجارف من الإغراء والطمع . وكانت حادة تزيد في تكبيلها ودفعها إلى تليين موقفها أكثر فأكثر لما هو آت . حدث  ذات صباح قبل رجوع الجيش أن عادت حادة من السوق تحمل  خبرا مفاده أن علي بن قاسم يود رؤية زهرة . ساد صمت لمدة غير قصيرة كادت يامنة أن تجيب بالرفض لكن حادة سبقتها بالكلام 

ـــ سيدتي أعرف أن هذا الأمر مخالف للأعراف والتقاليد وأعرف أنك سترفضين ، ولكن ما ضرنا أن نجد حلا نحافظ فيه على شرف زهرة ولا نضيع رجلا وقائدا كعلي .

ـــ ماذا تقصدين ؟

ـــ سأخرج مع زهرة ليراها علي، سأسهل المأمورية عليها دون أن تحس بشيء . و سأتيه عنها عنوة في السوق حتى أدع له الفرصة ليراها عن قرب .

ـــ ثم ماذا ؟....... وماذا لو علم سيدك عبد الرحمن ؟

ـــ هوني عليك سيدتي ، بعد أن يراها وتطمئن قلبه أنه اختار الجمال سنعود إلى البيت ولن يعلم سيدي بشيء ، فأنا وأنت من يعرف هذه القصة حتى زهرة لا علم لها بها ، ولكن سيدتي بشرط .

ـــ وتشترطين أيضا يا لئيمة .

ـــ ألا تحس زهرة بشيء من تدبيرنا و أن تتجاهلي دخولنا وخروجنا.

توالت لقاءات علي وزهرة وتوالت مكائد حادة وضعفت يامنة أمام هذا الاندفاع المحموم لبنتها نحو  الرذيلة ، فلم تعد قادرة على فعل أي شيء ولا يمكنها قول أي شيء لبنتها فهي بين الخوف عليها وبين مصيبة ضياع الرجل من بين يديها خصوصا وأن المحظور قد وقع.

**********

بدت من بعيد جلبة غير معهودة داخل الجيش المرابط بالقرب من مدينة الغربية ، فقد دعا حمادي بن فرحون إلى الرحيل والعودة إلى آسفي . لكن الأمور داخل المعسكر لم تسر كما أراد فقد عارضه إبن أخيه عبد الرحمن في هذا القرار مدعيا أن الوقت لم يحن بعد وأن الأمور لم تستقر تماما . فما زالت فلول هذه الجماعات تتربص في الضواحي ، وسانده في هذا الأمر يحيى بن تاعفوفت وآخرين من أشياعه،غير أن حمادي تشبث برأيه وأراد من وراء تشبته بالقرار أن يكسر شوكة ابن أخيه و أن يبين لهم أنه صاحب الأمر والنهي في المدينة.

أسرها عبد الرحمن في نفسه ولم يبدها له ، فقد كان يعد نفسه للحكم بدلا عن عمه منذ زمن . عمل ما في وسعه فاستطاع أولا أن يجمع حوله عددا من الأتباع من داخل البيت الحاكم ثم من أعيان المدينة و تجارها بما في ذلك اليهود ، و بعد ذلك أمن لنفسه موقعا متميزا داخل الجيش باعتباره قائدا ميدانيا ومتمرسا في فنون القتال  ،مع علمه بأمور السياسة والحكم مما أهله أن يعقد علاقات متميزة مع التجار البرتغاليين .

لم يستسغ عبد الرحمن التقارب الحاصل بين عمه و يحيى الزيات . وقد تجلى هذا الأمر في أشكال متعددة كتخصيص هذا الأخير باستشارات ومهام خاصة دون غيره من القادة كان آخرها إرساله إلى لشبونة مفاوضا ، فاعتبرها عبد الرحمن صفعة ناعمة من يد عمه العجوز الذي كان يعرض كل اقتراح أو فكرة يتقدم بها ابن أخيه.

كان حمادي قد بلغ الستين من عمره لكنه ظل متشبثا بالحكم ، وببريق أمل من سفارة الزيات إلى البرتغال . كان يفكر مليا في مستقبله ، وفي منافسيه وما يمكن أن يصدر عنهم . حدثته نفسه بالانسحاب وتقديم إبن أخيه حاكما عبد الرحمن  ، لكن ما زال في النفس منها شيء. فالكرسي يسلب الإرادة ونشوة الحكم تقيد و تكبل القدرة على الفعل .

على تخوم مدينة آسفي بدت بيارق الجيش وراياته تخفق . وبدا كابوس حمادي يكبر كلما بدت الأسوار الموحدية للمدينة . لكن ما أثارانتباه الحاكم و جيشه هو الاستقبال الحار الذي خصته له المدينة على غير عادتها . فقد خرج غالبية السكان بمن فيهم مروجي الإشاعة . خرج الرجال والنساء والأطفال يرحبون بالجيش ويسلمون عليه رافعين الأعلام والرايات و هم يهتفون بالقائد حمادي . استغرب الجميع لحفاوة الإستقبال و تساءلوا عن السر وراء ذلك فأخبروا بالخبر .

استغل عبد الرحمن ما كابدته المدينة من مشاكل في غيابهم ليدق مسمارا آخر في نعش عمه ليبين للناس أن حمادي لم يعد قادرا على ضبط أمور الناس . كما صب جام غضبه على علي بن قاسم الذي لم يقم بما يمليه عليه الواجب تجاه السكان لما رأى اضطراب الأوضاع وغلاء الأسعار خصوصا وأنه كان نائبا عن حمادي على المدينة . كما أتبت لهم صحة رأيه لما عارض من قبل ترقية علي بن قاسم إلى رتبة قائد .

لم يغفر علي بن قاسم الإهانة الثانية التي تلقاها من عبد الرحمن في مدة وجيزة ، فكان قراره أن ينتقم كلما سنحت له الفرصة وبكل الوسائل التي يمكن أن يستعملها ، لذا فهو لم يتردد في قبول العرض و لم يضيع الفرصة التي أتيحت أمامه عندما اعترضت سبيله حادة خادمة غريمه . فهذه ، في نظره ، إحدى وسائل الإنتقام والبقية تأتي .

كان علي بن قاسم فتى حدثا في العقد الثالث من عمره ، قوي البنية جميل الوجه حسن الهندام . كان محببا عند طائفة من الجيش خصوصا أبناء الشرقية . بلغت به همته وقدرته على انتزاع رتبة قائد في وقت أضحت فيه المنافسة شرسة للغاية ، كما أصبح محط ثقة حمادي في كثير من الأمور وآخرها جعله نائبا له على آسفي . لم يكن لعلي أن يفرط في هه المكاسب التي عمل طويلا من أجلها ، ولكن ما دام عبد الرحمن قد بدأ الحرب فما عليه إلا أن يكون مستعدا لها .

كان الجو السياسي بالمدينة ينذر بالويل والثبور ، فقد بدأت بوادر العاصفة تظهر في شكل منازعات بين مختلف الفرقاء ، بين مؤيدين للتواجد البرتغالي و يقودهم عبد الرحمن بن فرحون و بين  مدافعين عن الوجود الاسباني بقيادة يحيى الزيات وكلاهما من أقرباء البيت الحاكم . ثم تطورت النزاعات إلى مناوشات بينهما هنا و هناك . و العجوز حمادي الذي أفلت زمام الأمر من يده أصبح عاجزا عن ضبط الأمور واستتباب الأمن بالمدينة ، كما لم يعد قادرا على الوفاء بالتزاماته تجاه البرتغال و بتطبيق المعاهدات المبرمة معهم .

كان الملك عمانويل يتابع كل صغيرة وكبيرة ، غير هذه الأحداث زادته اقتناعا بما اقترحه عليه مستشاره فرنانديز بشأن إحكام قبضته على آسفي والمناطق المحيطة بها . فلم يتردد في إرسال حملة عسكرية الهدف منها تعزيز الموقف البرتغالي بالمدينة أولا مستغلا الخلافات بين أقرباء الحاكم وضعف القيادة الحالية وثانيا إرهاب الناقمين عن التواجد البرتغالي كما بعث رسالة قوية إلى إسبانيا مفادها أن عمانويل غير مستعد للتفريط في مناطق نفوذه .

في يوم 7 شتنبر من سنة 1498 أخد الأسطول البرتغالي مواقعه أمام آسفي فيما حاول قائد الحملة جاك بورخيس المناورة على أكثر من صعيد . فقد قام بزيارة لحمادي بن فرحون وأوهمه بأن هذا هو الدعم المقدم من قبل البرتغال، واستطاع أن يطمئنه بأن تصرفات بورخيس المقبلة تدخل ضمن مخطط الملك من أجل المصلحة العامة ، فلا داعي للخوف والقلق .

كما استطاع أن يقنع عبد الرحمن بالجلاء عن المدينة لبضعة أيام حتى تهدأ نفوس الأهالي الناقمين على التواجد البرتغالي .

لقد كانت السفن المقابلة لسواحل آسفي مصدر قلق لساكنيها ، فقد تحدث بذلك الناس في مجالسهم و خلواتهم وحتى في أسواقهم . كما خطب بها إمام المسجد في الجمعة مستنكرا تواطؤ بني فرحون مع المستعمر ودعا الناس للدفاع عن المدينة . لكن حمادي لم يحرك ساكنا ولم يعتقل الإمام مخافة إفساد مخطط الملك و إثارة الأهالي.

ولأن لكل أزمة مستفيد فقد اهتبلها يحيى الزيات لرد الصفعة بالمثل لعبد الرحمن بحيث بث في الناس أن الوجود التجاري البرتغالي هو تواجد استعماري مذكرا إياهم بما يقع في شمال المغرب ومستدلا بالأسطول المرابط أمام أعينهم . وبالمقابل دافع عن الوجود التجاري الإسباني السلمي ، فسرت هذه الكلمات مسرى النار في الهشيم و لقيت قبولا واستحسانا لدى البسطاء من الناس .

أرقت هده الأحداث بورخيس كثيرا و قضت مضجعه وجعلت المدينة على حافة الانفجار فمضى يفكر في مخرج للأزمة صحبة مساعده نونيو دي فريتس

ـــ خطرت لي فكرة ، وأرجو أن توافقني الرأي . طلبت من عبد الرحمن دخول المدينة بالليل سرا ، وأن يختفي في أحد منازل رعايانا البرتغاليين . ثم ندبر التحاق الزيات به في الدار دون أن يعلم أحد . وفي غفلة من يحيى يقوم عبد الرحمن باغتياله و تنتهي هذه الأزمة . ماذا قلت ؟

ـــ إن سمحت لي سيدي القائد فإني لا أوافقك الرأي . فهدا مخطط خطير وغير سليم ،..... لماذا؟ المدينة على فوهة بركان وأي تصرف غير مدروس سيفجر الوضع ولا نعرف نتائجها . وهذا سينعكس على الحملة التي قد تفشل وستكون مسئولا فاشلا أمام الملك ويعرض مستقبلك للخطر . وزيادة على هذا فالزيات لم يدافع عن الوجود الإسباني حبا فيهم ولا مصلحة وإنما كرها في عبد الرحمن ، فهو من كان سفيرا لدى جلالة الملك ومن المقربين للقائد حمادي . فهو يبحث عن موطئ قدم لا غير .

ـــ نراضيه إذن.

ـــ أجل نراضيه . ونطلب من عبد الرحمن البقاء بعيدا .

لم يعد عبد الرحمن يطيق صبرا وهو خارج المدينة كما لم يضع ثقته كاملة في تحركات بورخيس الذي يبدو أنه يدبر أمرا ما بليل فتصرفاته تبدو مريبة وغير مفهومة للغاية . لماذا توارى حمادي عن الظهور في الأحداث  وما قيمة الصفقة ؟ لماذا غير يحيى لهجته وما هو الثمن الذي قبض ؟ لماذا طلب منه الدخول ليلا ومتخفيا ثم في وقت وجيز أمر بخلاف ذلك وأن يبق بعيدا وما الذي حدث ؟ لماذا لم يفصح بورخيس عن مخطط الملك ؟ وأسئلة أخرى متناسلة بعضها من بعض لم يعرف لها عبد الرحمن جوابا أو تفسيرا .

وقف هدا الأخير عاجزا عن أي  تدبير فهو يعرف أن أي تصرف غير دقيق قد يكلفه الشيء الكثير مما دفعه إلى طلب المشورة والرأي من يحيى بن تاعفوفت و علي بن قاسم . كلا الرجلين أبديا نفس التخوف والشك تجاه بورخيس . لكن بن تاعفوفت أضاف

ـــ الرأي عندي أن نضع بورخيس أمام الأمر الواقع .

ـــ كيف ذلك ؟ تسائل عبد الرحمن

ـــ يحيى الآن مكبل بما اتفق به مع بورخيس ، فلن يحرك ساكنا ...... وبورخيس لن يغامر بمستقبله من أجل عيون الزيات ، فلا داعي للقلق من هذه الناحية . أرى أن نبادر نحن ، ونكون أصحاب الفعل لا ردة الفعل ... أرى أن تدخل المدينة نهارا وأنت تحمل العلم البرتغالي ونحن معك ، أنا وعلي ، فلن يكون بمقدور بورخيس آنذاك أن يسلمك لأحد .

ـــ الرأي ما قاله بن تاعفوفت ، وإن اقتضى الأمر استعمال القوة فلا بأس .

***********

في هدئة من الليل و بعيدا عن الأعين ، اجتمع أربعة أصدقاء مبارك مساعد عمي إدريس و سعيد الأجير عند مولاي المهدي وعمر التاجر الصغير ، بائع القماش الذي ورث المحل والصنعة عن أبيه ثم سالم الذي يعمل في وكالة بن حدو . كانت نسمات الريح الغربية تدغدغ ثيابهم وتكسر الموج على الصخور فيصل رذاذه إلى وجوههم بينما أسدل القمر أشعته الفضية فوق سطح المحيط الذي يبدو ساكنا على غير عادته .

ـــ أكثر ما يخيفنا نحن  البحارة هو هذا السكون المريب للبحر ، فلا تدري ما يخبؤه لك بعد قليل .

قال سعيد وهو يسوي مكانا للجلوس فوق الجرف قرب عمر الذي يبدو شاردا .

ـــ هذا البحر يحكي قصتنا نحن في آسفي ، السكون الذي يسبق العاصفة .....

ـــ عمر ... لماذا تبدو واجما  ؟ ... لم تتكلم طول الطريق ..... لم هذا الشرود؟ .

استفسر سالم عمرا الذي رفع رأسه و استدار نحوهم

ـــ لست شاردا وإنما كنت أفكر في حال هذا البلد ، حكامها يبيعونها شبرا شبرا و زقاقا زقاقا  ،لا ينتهون من نزاع حتى يبدؤوا آ خر . همهم الكرسي و لو كان على حساب أهليهم وأبنائهم . يتوددون للأجنبي ويحنون هاماتهم له كما لو أنه صاحب الأرض وهم الدخلاء .

ـــ ترى ماذا تحمل لنا هذه السفن الرواسي أمامنا من مفاجآت ؟ وماذا يحمل بورخيس للسادة العظام ؟.

قالها سعيد وهو يأخذ نفسا عميقا . لم يمهله سالما حتى قاطعه .

ـــ وا أسفاه على آسفي.

بدأت الرياح الغربية تزداد حدتها وبدأت معها حركة الموج في ازدياد . تزحزح مبارك عن مكانه حتى لا يصيبه البلل واستدار نحو الشبان الثلاث

ـــ هل من قدرنا أن نجلس كالعجائز و نندب حظنا  ؟ هل بمقدورنا فقط أن نجلس و نصف الحال  ثم ننصرف إلى بيوتنا راضين بالمذلة ؟ أليس جميلا أن نبرأ أنفسنا  و نلعن الأجنبي ونسب السادة و نلقي باللائمة عليهم ونحسب أننا على شيء ؟

استفزت هذه الكلمات الآخرين فبدأ سالم الكلام مغضبا.

ـــ كأنك تعرض بنا ، لسنا هنا لنندب حظنا ونبكي على الأطلال .

ـــ هذه إهانة يا مبارك ........، هيا أرنا ما يمكن فعله .

قالها عمر  بنبرة غضب وهب واقفا كأنما نشط من عقال فهب سعيد يؤيد صاحبه.

ـــ نعم نحن كما قال عمر على استعداد للدفاع عن مدينتنا وأهلينا ولكن كيف ؟

ـــ بورك فيكم يا شباب أنا لا أقصد إهانتكم ولا التعريض بكم ولكن أردت أن أرى مدى حبكم لمدينتكم و مدى استعدادكم للذود عنها . أتمنى أن أراكم طليعة الدفاع عن بلدكم ، أريدكم يدا واحدة نقض بها مضاجع المفسدين و المتعاونين ، أريدكم أبطالا أشاوس نقهر المحتل الباغي . يا إخواني موت في عزة خير من حياة في ذلة .

تقدم سالم من مبارك و مد يده مصافحا وقال

ـــ  لقد عشت أياما عصيبة وأنا أرى بن حدو ينهش أهالي المدينة دون مراعاة لجوار أو حرمة أو دين ، كما كنت أرى موالاته للأجانب ومحاباته لهم ،وكنت أقول في نفسي لو أن لي بقوة أو آوي إلى ركن شديد .لا أخفيكم سرا لقد هممت بقتله أكثر من مرة ...... مبارك .... هذه يدي أعاهدك بل أعاهدكم جميعا على أن أبقى شوكة في حلوقهم ما استطعت .

ـــ وأنا كذلك أعاهدكم ......يدي ممدودة لكم فأمروني بما شئتم سأكون رهن إشارتكم .

ـــ وهذه يد سعيد كما مدها سالم وعمر

ـــ بورك فيكم من رجال ، يحق لآسفي أن تفخر برجالاتها وأبطالها ، ولكن لن نقوم بأي عمل دون تشاور واتفاق ، وليبق هذا الأمر سرا بيننا وموعدنا ليلة الجمعة في نفس المكان والزمان .

اشتدت الرياح الغربية فازداد الموج ارتفاعا مما جعل الجلوس فوق الجرف أمرا مستحيلا ، كما بدأت أشعة القمر تتوارى وراء بعض السحب المتحركة في سماء الليل . كماارتفع منسوب البحر فلامست كانت أمواجه السور المواجه للبحر. كما أخاف الرعد و المطر السكان متذكرين بذلك سيول  السابقة لواد الشعبة حينما جرفت الحوانيت في مرات سابقة وخلفت أضرارا بالغة في بنية المدينة لم تتعافى منها إلا بعد حين .

 صلى الإمام صلاة الفجر بسورتي الجمعة والمنافقين و بعد السلام وتلاوة بعض الأذكار  ثم التفت إلى عمي إدريس الذي كان متكئا على إحدى سواري المسجد.

ــــ أريدك في أمر خاص جدا........ ماذا تقول في مبارك ؟

ــــ  لا أفهم مرادك سيدي؟

ــــ أعني كيف ترى مساعدك ؟ كيف أخلاقه و أمانته ؟ وهل هو كفء للزواج ؟

ــــ إنه رجل مبارك و أمين يا إمام ، طيب المعشر و خدوم  . وإني أتفاءل  به كثيرا و من العجائب أنه كلما خرجنا للصيد يكون دائما على صواب في اختيار أماكن تواجد السمك .كما أني أشهدعلى أمانته وحسن أخلاقه فما جربت عليه كذبا ولا اختلاسا و لا ما يعيب الرجل في دينه . وهي شهادة لله يا إمام . وهل لي أن أعرف لم سألت عنه ؟

ــــ  كما تعلم أن لي بنتا بلغت مبلغ النساء ، ريحانة ، وأنا أبحث لها عن زوج ، فليس عيبا أن تخطب لابنتك الرجل الكفء ، فهي ذات دين وخلق وأنا أبحث عمن يكرمها ويتقي الله فيها . فأثار انتباهي مبارك فقلت استشيرك في الأمر.

ــــ حبا وكرامة ...وخيرا فعلت ومبارك ما اخترت .

ــــ  يفعل الله ما يشاء ويختار إذا صلينا الجمعة ادعه للغداء عندي ....... لا ... لا تدعه للغداء حتى لا نحرج الرجل ، كلمه أنت أولا وانظر ماذا يدور في رأسه فربما سيتزوج إحدى قريباته . فلا نريد أن نرغمه على فعل هو كاره له  أو له فيه تدبير آخر .

ـــ لا أعتقد ذلك سيدي فهو لا يكتم عني شيئا

صمت الاثنان برهة ثم استطرد عمي ادريس قائلا

ـــ هل من جديد سيدي بشأن هذا البورخيس ؟ فكما تعلم فأنا أخرج للصيد ليلا وما تبقى من الوقت أوزعه بين النوم و قضاء حوائج البيت و الاستعداد الخروج مجددا للبحر.

ـــ لا ندري ما يدور وراء الحيطان ، حمادي توارى عن الأحداث كأن الأمر لا يعنيه وعبد الرحمن مختف ، أعتقد أن في الأمر شيئا خطيرا يرتب في خفاء .

ــــ لا يجب السكوت عما يجري ، فهذه مدينتنا وهذه أرضنا و لا يحق لنا أن نفرط في شبر منها .

ــــ حب الأوطان من الإيمان يا إدريس

ــــ قبل أن أنصرف سيدي،  أنت مدعو يوم الجمعة القادم عند أخي العياشي في الشعبة  خارج أسوار المدينة. و سأمر عند مولاي المهدي في الوكالة عند الضحى لأدعوه هو الآخر .

ــــ هل عرس مرة أخرى ؟

ــــ  وهل يحق له ؟ فلديه أربع ....

ضحك الاثنان ثم انصرف عمي ادريس في حين بقي البشير يقرأ ورده اليومي من القرآن.

ازدادت الأحوال الجوية سوءا فالرعد يصم الآذان وبفزع القلوب ، والريح تزداد سرعتها و المطر لم يتوقف و ملامح فيضان واد الشعبة تلوح في الأفق . كما ازداد خوف عبد الرحمن من أن تعطل هذه العاصفة مخططه وهو المتعطش لربح معركة السلطة ، فالوقت ليس في صالحه وهو خارج أسوار المدينة ، علما أن بورخيس يضن بالمعلومات عليه و لم يعد يتصل به ولو على سبيل التطمين.

كان عبد الرحمن ملزما بانتظار هدوء العاصفة وتغير الأحوال ، ظل النهار كله يقطع إقامته عرضا وطولا لم يعرف للطعام مذاقا ولا للماء مستساغا وبات يتقلب في فراشه وقد هجره النوم وأرقه السهاد والخوف مما قد يحدث في غيبته . طال الليل واسود ظلامه وبدت له المدينة جزيرة دونها  بحر هائج و صخور وأسماك قرش تفترس كل مغامر، وبدا له كرسي الإمارة منارة تهدي الحيران في صحراء التيه ، وهو الفارس بلا جواد و المحارب بلا سلاح . في لحظات كثيرة كان اليأس يتسرب إلى نفس عبد الرحمن لكن كلمات بن تاعفوفت و علي بن قاسم وهما القائدان في الجيش تدفع عنه التشاؤم وتحفزه أكثر .

ـــ أرى أن تدخل المدينة نهارا .... ونحن معك ..... وإن اقتضى الأمر استعمال القوة فلا بأس .

كان الشك يتسرب إلى نفسه بخصوص هذين الرجلين .

ـــ ألا يمكن أن يكونا يعملان لحساب حمادي فهو ولي نعمتهما ؟ أليس حمادي هو الذي رقاهما لرتبة قائد ، أليس من المروءة الوفاء لقائدهما ؟ ثم إذا صدرت منهما الخيانة اتجاه حمادي وهو من هو فكيف يمكن الوثوق بهما ؟ ثم ما أدراني أنهما يعملان لصالحهما أو لصالح الزيات ؟ كيف يمكن لعلي بن قاسم أن يعمل لصالحي وأنا الذي عارضت ترقيته منذ سنوات ؟ ألم أكن مخطئا عندما قللت من شأنه أمام الناس عندما اتهمته بقلة الخبرة وضعف القيادة أيام الإشاعة الكاذبة ؟ لم أكن أحسب خطواتي جيدا.... لقد غلب علي التسرع .....ثم ما الثمن الذي يجب أن أدفعه مقابل خدمتهما و وفاءهما لي ؟ . أليس من مصلحتهما إبقائي بعيدا حتى يرتبا أمريهما وما كلامهما السابق إلا رمادا في العيون ؟.

أسئلة كثيرة تزاحمت في عقل عبد الرحمن لم يجد لها جوابا ، وكلما عجز ازداد حيرة فانقلبت الحيرة شكا و تحول الشك في نفسه إلى يقين وحقيقة لا يستطيع منهما فكاكا . فرمى بجسده المنهوك على أريكة قريبة منه .

لم يستيقظ عبد الرحمن إلا على صوت صهيل جياد في باحة البيت  ، ثم على صوت خادمه

ــــ سيدي... القائدان يحيى بن تاعفوفت وعلي بن قاسم ينتظرانك

ــــ إذن فالأمر جد

ـــ هل قلت شيئا سيدي ؟

ـــ لا لم أقل شيئا . أدخلهما قاعة الضيوف وقدم لهما شيئا ريثما ألتحق بهما .

تبددت عن وجهه علامات الحيرة والإرهاق وطفت على محياه هالة من البشر والسرور حتى كاد من فرحه أن يخرج في عجلة من أمره .

ـــ أتبث يا عبد الرحمن وأظهر مكامن القوة والشهامة وأنك أنت القائد . أظهر لهما كأنك في غنى عن الإمارة وأنهما في حاجة إليك أكثر من حاجتك إليهما  .أتبث يا عبد الرحمن .....أتبث ....

 في الساحة المقابلة للمسجد كانت أصوات الباعة تملأ المكان وكانت الحياة رتيبة تمشي الهوينى في أزقة المدينة التي تعاني وحلا وطينا من جراء أمطار الليلة الماضية . وفجأة استدار الناس نحو جلبة صادرة من أحد أبواب المدينة

كان القائد عبد الرحمن يتقدم علي بن واشمان وبن تاعفوفت في موكب صغيرة مكون من بضعة عشر فارسا . دخل القائد رافعا العلم البرتغالي في يده اليمنى وهو يصيح بأعلى صوته

ــــ عاش الملك عمانويل والملكة إليونور. عاش الملك عمانويل والملكة إليونور. العاهلان اللذان أنا خادم لهما . عاش الملك عمانويل والملكة إليونور.

أثارت هذه التصريحات التي أعلنها عبد الرحمن حنقا في صفوف الساكنة التي لم تكن تعتقد أن يأتي في يوم من الأيام قائد مهما صغر أو كبر ويعلنها صراحة وأمام الملأ أنه تابع للأجنبي . كانت عبارات قاسية في حق أهالي المدينة وهم الذين قاوموا دهرا من الزمن ظلم الوطاسيين لكي تبقى دكالة وعبدة مناطق ذات سيادة فعلية فبالأحرى أن تصير تابعة للأجنبي .

تحولت الساحة الهادئة إلى فوهة بركان، فالناس غير الناس الذين كانوا. فمنهم الساخط ومنهم المتذمر ، وآخرون اختاروا السب والشتم في حق الخونة على حد تعبيرهم . ضجت الساحة بالصخب والفوضى خصوصا من قبل أنصار التواجد الإسباني الذين رأوا في ذلك تهديدا لمصالحهم . فثارت النفوس واحتقنت الدماء في العروق و احتمى كل حزب بما لديه من قوة . بدأت المناوشات الأولية عبارة عن تدافع وتهديدات ثم تطورت إلى ضرب بالأيدي والعصي إلى استعمال السلاح .  فناوشهم عبد الرحمن بحربته التي أصاب بها أحد أقطاب الطرف الثاني ، فهاجت الناس وماجت وسالت الدماء وسقط من سقط مغشيا من الفريقين .

تولى عبد الرحمن هاربا فاحتمى بالوكالة البرتغالية و لحق به بن تاعفوفت وعلي بن قاسم. ثم توالى المناصرون من كل حدب وصوب نحو الساحة لكن العاصفة لم تمهلهم إلا قليلا حتى فرقت جموعهم وشتت شملهم ، كأنما السماء فتحت عيونا على أمر قد قدر ، فاشتدت الرياح وبدأ دوي الرعد يهز النفوس هزا . هرع كل واحد إلى بيته أو حانوته خائفا مرتجفا من أن تصيبه صاعقة برق أو قاصفا من الريح . بينما اعتبرها السي البشير وعمي ادريس ومولاي المهدي وآخرون غضب من الله على قوم فرقوا أمرهم واستحلوا دمائهم من أجل الأجنبي ، الذي جلس يتفرج عليهم وهم يقتتلون .

في ذلك اليوم اجتمع بورخيس ومساعده نوني ودي فرايتاس ورئيس الوكالة روي دي ألميدا في بيت هذا الأخير لتقييم الوضع واتخاذ القرار المناسب . افتتح بورخيس الإجتماع قائلا

ــــ لم أكن أنتظر أن تسير الأمور على هذا النحو ، لم يخطر ببالي جرأة من قبل عبد الرحمن وخرقا للإتفاق بيننا بأن يبقى خارج المدينة بل اعتبره تحديا لي باعتباري ممثلا لجلالة الملك ولكن أقول لكم بصراحة ....أنا فرح لهذا التطور .....فقد أزيح عني هم كبير كان يؤرقني ، كنت أفكر دائما كيف السبيل إلى حل الأزمة ؟ أما وقد جاء الحل من قبل القائد عبد الرحمن متحديا لأهل المدينة ومن والى الإسبان فتلك خطوة لم اكن أحلم بها على الإطلاق ...... ولكن في ظل هذه المستجدات كيف يمكن التملص من الإتفاقات السابقة مع الزيات وحمادي 

ــــ حمادي أسد عجوز فقد كل أسنانه ، وها أنت ترى بن تاعفوفت وعلي قد انصرفا عنه لنصرة عبد الرحمن . فلا خوف منه البتة . وأما الزيات ......

ــــ وأما الزيات فأنا أعرف به منكم ، أنا أقدم منكم في هذه البلاد ، الزيات رجل يحب الظهور والسفارات ولا قدرة له على الحكم . تكفيه الترضيات بالمال فقط ،...... فلا يشكل أي خطر ، فلا تهتموا لحاله.

ــــ أما عبد الرحمن فدعوه لي ، سأوبخه على فعلته واحتجزه لبضعة أيام ريثما تأتي موافقة جلالة الملك و تنضج شروط توليته .

هم الجميع بالخروج بعدما ختم بورخيس هذا الاجتماع .

ـــ روي .....   ابق فإني أريدك

***********

أخذ سيدي احبيبي مكانه كالمعتاد في الساحة المقابلة للمسجد ، فبدأت الساكنة تتجمع حوله أكثر فأكثر . اقترب عمي ادريس منه فقبل رأسه ثم تمتم له ببعض الكلمات في أدنه ، ابتسم سيدي احبيبي وقال

 ـــ يفعل الله ما يشاء ويختار

أشار بيده إلى الناس أن وسعوا أكثر . ازدادت الجموع تدفقا وازدحاما فنظر إليهم مليا . أحس بشيء ما يسري في أوصاله أصابته قشعريرة ثم اصفر وجهه ثم أشاح بوجهه ناحية القبلة ورفع يديه وبدأ يدعو سرا. ثم بدأ قائلا :

ـــ أحبابي الكرام وسادتي العظام أحييكم بتحية الإسلام ، وأشنف مسامعكم بقصة أخرى تروي الظما وتنير الأفهام . قصتنا اليوم هي تتمة لما بدأناه من قصص الأمم والملوك العظام . رأينا من قبل كيف انمحت دولة بني أمية و زالت و على أنقاضها دويلات وإمارات قد  قامت.

وذهب أهل الأندلس من الانشقاق، والانشعاب، والافتراق، إلى حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعباد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب، اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار،...، وقصارى أحدهم يقول: " أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه !" ولو جاءه عمر بن عبد العزيز، لم يقبل عليه، ولا لقي خيراً لديه؛ ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعماراً، وخلَفوا آثاراًّ، وإن كانوا لم يبالوا اغتراراً من معتمد و معتضد ومرتضى ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور ومتوكل،

تعاظم عدد الدويلات والإمارات يا سادتي المستمعين، وفاق عددهم العشرين باثنتين ، وقصتنا اليوم عن إمارة بني هود ومدينة سرقسطة كما سماها لنا الجدود . لما حضرت الحاكم المنية أراد أن يستخلف وينهي القضية ، مخافة الخصام من بعده والتنازع على ملكه .

لقد كان للحاكم ولدين ، الأكبر أخرق و أحمق ، ولكن جرت العادة أن يكون ولي العهد يا سادة و الثاني هو الأنجب وإلى أبيه الأقرب ، فاهتدى يا سادة لحل غريب و عمل عجيب لم يتكرر في التاريخ البعيد والقريب. هل تدرون ما هو يا أحبابي الكرام ؟

أسمعوني الصلاة على مسك الختام و قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله الملك العلام.

رد الجمهور الغفير ما طلب منهم سيدي احبيبي وكلهم آذان صاغية وأعناق مشرئبة للآتي

ــــ قام الأب الحاكم بشق الدولة إلى شقين ، فقسم الجيش على ضعفه جيشين و الأرض على صغرها دولتين و الشعب المغلوب على أمره فئتين ، لكل امرئ منهما عاصمة ومستشارين . و يموت حكيم الزمان و تمر الأيام ويختلف الأخوان على بقعة صغيرة كانت ترعى فيها بقرتان .

إنها أرضي يقول الكبير إنها أرضي يقر الصغير . واستمر النزاع مدة من الزمن ولما لم يكن صلح أو إصلاح فقد لجأ الكبير إلى السلاح. لكن كما يقولون العين بصيرة واليد قصيرة  ، فمن أين يأتي بالجيش والعتاد وقد أرهقته الجزية وأصاب كيانه الكساد . فأشار عليه المستشار بأن يطلب العون من النصراني الجار ،  فالصديق للصديق عند الحاجة والضيق.

جاء ملك مملكة الأرغون بجيشه الجرار وبادر سرقسطة بالحصار . أربعون يوما حوصر المسلمون بالداخل و هم يستغيثون و ملوك الأندلس من النصارى خائفون . لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أسلحة لا يحاربون بها ولهم جيوش لا ينجدون بها . و الأخرق كان كل همّه أن يظل ملكًا على دويلته، وملكه لا بدّ وأن يعود إلى حوزته ولو على حساب بني عقيدته .

ودخل النصراني المدينة يا كرام ، بعد أن أنهك الناس بالتمام . فتقدم اللعين في جيشه والأخرق منتظر أن يثبت على عرشه . فكانت الطامة الكبرى والقاصمة العظمى .......

سكت سيدي احبيبي برهة ثم سالت على خديه دمعة فانسكبت العبرات تباعا .

ـــ قتلوا أربعين ألفا من المسلمين والمسلمات و سبوا سبعة آلاف من الأبكار والفتيات فأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها ....... أجل يعتدون على البكر أمام أهلها والمرأة أمام زوجها و بعلها ، أجل كأني أرى هذا المنكر أمام عيني وملوكنا خائفون فوق عروشهم يرتعدون ، أجل أرى تلك الفتاة تجر من شعرها للمكروه وهي تستنجد أباها العاجز والمكبل ، أجل تستصرخ فما من مجيب .

أَعنــدكُم نبأٌ مـــن أهــلِ أنــــــدلُسٍ   فقد ســرى بحــديثِ القــومِ رُكبــانُ
كَم يستغيثُ بنا المستضعفــونَ وهُم    قَتلـى وأســـرَى فمــا يهتــزُ إنسانُ
لماذا التـــقاطعُ في الإســــلامِ بينكمُ    وأنتــــم يا عبــادَ اللــهِ إخْــــــــوانُ
يا مــن لـــذلَّةِ قــومٍ بعدَ عـــزَّتِـــــهِم   أحــالَ حـــالهُمْ جــــورٌ وطُغيـــــانُ
بالأمــسِ كانُوا مُـلُوكاً في مــنازلهِم    واليـومَ هـم في بــلادِ الكفـرِ عُبدانُ
فـلو تــراهُم حَيَارى لا دليــلَ لهـــــم   عليهِــمْ مِــن ثيــابِ الــــــذُّلِ ألوَانُ
يا ربَّ أمٍ وطفــلٍ حِيــلَ بينهُــــــما       كـمـــا تُــفــــرَّقُ أرواحٌ وأبــــدانُ

وطفلـةٌ مثـلَ حُسـنِ الشمــــــسِ إذ   طلعـت كأنَّما هي ياقــوتٌ وَمَرجانُ

يقودُها العِلْـجُ للمكــروُهِ مكـــــرَهة  والعــــينُ باكيـــةٌ والقَـلـبُ حيـــرانُ

لمثلِ هـذا يبكِي القــلبُ مِن كَمـــد      إن كـــانَ في القَلـبِ إســلامٌ وإيمـــانُ

بكى سيدي احبيبي بكاء مرا فأبكى معه الحاضرين فصرت لا تسمح إلا نحيبا هنا وعويلا هناك . تكفل مبارك بجمع أغراضه بينما أخد عمي ادريس بعضده وأسنده على كتفه واصطحبه إلى بيته حتى يرتاح و تصفو نفسه .

************

شكل تواري حمادي عن الأحداث التي تعيشها المدينة مادة دسمة لاكتها ألسنة الناس وصارت مدعاة للسخرية في كثير من الأحيان من قبل الموالين للوجود الإسباني .

ـــ قادتكم خائفون و مختفون.......... عبد الرحمن وحمادي لا حياة  لمن تنادي .

كما أثرت كثيرا هذه الكلمات في نفوس أنصار التواجد البرتغالي عموما وعبد الرحمن خصوصا .فصار لزاما عليه الظهور للناس . كما صار من الضروري أن يقوم أنصاره بعمل ما يعيد ه إلى الواجهة معززا مكرما . و هكذا قرر أحمد بن حدو و منصور بن سعد الله وعبد الله بن جطو ومسعود وهس و علي وبورخيس في اجتماع ضمهم في مقهى علي ، تكلم بن حدو أولا فقال .

ــــ ليس من العدل أن نترك القائد عبد الرحمن وحده في أرض المعركة يدافع مصالحنا ونحن قعود نتفرج من بعيد ، لابد من القيام بعمل ما .

ــــ هذا  كلام معقول وأنا أوافقه الرأي تماما ولكن لا يمكننا فعل أي شيء ، فالأمر بيد بورخيس ؟

ــــ إسمع يا علي أنت صاحب مقهى و مصالحك غير مهددة ، أما أنا فأتاجر في العسل والشمع والأنعام وكل زبائني من البرتغاليين . ومنصور تاجر قماش وحنابل وصوف و نحن ملزمون بتوفير هذه المواد على رأس شهر ، وفي ظل هذه الأوضاع فلن نستطيع الوفاء بالتزاماتنا ، وهذا يهدد مستقبلنا .

كانت الكلمات تتزاحم في فم مسعود وهو يعدد مصائبه . فانبرى بن حدو قائلا

ــــ دعونا من التباكي الآن ... أرى أن نقوم بعمل ينصب القائد عبد الرحمن حاكما على آسفي ، نجمع أنصارنا وخدامنا وأعيان المدينة و بعض أفراد عائلة عبد الرحمن ، ونقوم بمظاهرة نطالب فيها بتنصيبه حاكما علينا ، فمصالحه مصالحنا ولن نجد أفضل منه .

ــــ والقائد أحمد ؟

تسائل منصور

ــــ لو كان قائدا فعلا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من اضطراب وفوضى .

كان بن حدو حازما في جوابه و لم يترك فرصة لأحد ان يتجاوز ما خطط له و ما قرره في نفسه . كان بن حدو صديقا حميما لعبد الرحمن بل قد شاركه في كثير من الصفقات التجارية مع البرتغال دون علم حمادي . وكان جل وقته يقضيه في وكالة بن حدو مما سهل عليه إقامة علاقات مع كثير من التجار الذين نقلوا هذه الصورة إلى البرتغال عن قائد لبق متسامح ، له سطوة وهيبة في وسط الجيش واحترام وتقدير لدى عامة الناس .

مرت ثلاثة أيام على حادثة احتماء عبد الرحمن بالوكالة البرتغالية  ،ومرت معها العاصفة فانصرف الناس لشؤونهم غير مبالين بما قد يحدث ، فجمع القوم  أنصارهم وتوجهوا رأسا إلى بورخيس يطالبونه بخروج قائدهم وتنصيبه حاكما عليهم .

ارتبك بورخيس في بداية الأمر حين رأى هذه الجموع تتقدم نحوه يرأسهم أحمد بن حدو

ـــ سيدي القائد ، باسم جميع سكان آسفي نطالبكم بإطلاق سراح القائد عبد الرحمن و تنصيبه قائدا علينا

فرك بورخيس يديه فرحا بهدية أخرى لم تكن منتظرة و لكنه ماطلهم بعض الشيء حتى لا يظهر أنه في حاجة إلى هديتهم .

ـــ أولا لم نلق القبض على عبد الرحمن حتى نطلق سراحه ، بل هو من احتمى بنا فأجرناه منكم أما مسألة تنصيبه قائدا عليكم في من اختصاص جلالة الملك ، فإن وافق جلالته فعلى الرحب والسعة ...... و لكن أعدكم خيرا

انفض الجمع و هو فرح  و منتظر موافقة الملك .........

**************

ظل العياشي طوال الأسبوع ينتظر قدوم مولاي المهدي والبشير و عمي إدريس . كان سكنه قريبا من آسفي في الشعبة حيث يعيش على زراعة الخضروات مستفيدا من قرب المياه الجوفية من سطح الأرض وخصوبة التربة وكذا قربه من المدينة . تميزت سلعته دائما بالطراوة والتنوع . اختار العياشي تلا صغيرا بعيدا عن مجرى النهر بنى فوقه منزلا مكونا من عدة غرف و سطح به بهو مطل على  الحقل .

بالقرب من أشجار الليمون وتحت ظلال شجرة توت بري جهز العياشي للضيوف مجلسا أفرشه  بالزرابي والنمارق . بعد الترحيب وإظهار حفاوة الاستقبال قدم لهم صينية شاي وأخرى للحلوى . أبدى البشير إعجابه بجمالية المكان وحسن ترتيبه وتناغم مزروعاته فقال

ـــ هذه جنان الأرض فكيف بكم بجنان الآخرة ؟

ـــ كم من جنان ضاعت بالأندلس و أخاف أن تضيع أخرى بالمغرب . لقد كنا ننتظر من عبد الرحمن أفضل مما يقوم به من تعنيف لمخالفيه ، كنا ننتظر أن يكون رجل وفاق لا رجل شقاق . لقد بلغ به ظلمه أن نهب دور بعضا منهم ؛  بل هدد حتى عمه حمادي .

كلمات نطق بها مولاي المهدي والزفرات تخنق صدره . تدخل البشير مكملا الحديث

ــــ لولا الوساطة التي قام بها بعض الأعيان لكان القائد أحمد في عداد الموتى .

ــــ حدثنا يا إمام عن تلك الواقعة ؛ لم أشهدها فقد كنت أصلح بعضا من شأني في بادية عبدة.

ـــ دخل عبد الرحمن أولا وبعضا من حاشيته المسجد عصرا وبعد الصلاة التحق بنا القائد أحمد فتوجه رأسا إلى المنبر فقال أيها الناس لقد بلغ مني الكبر ولم أعد أقوى على حكم آسفي وإني أخلع ما في رقبتي وأضعه في رقبة إبن أخي القائد عبد الرحمن فهم كما تعلمون قائد متمرس و ذو سمعة ومكانة في قلوبنا ونفوس السكان ، فاسمعوا له وأطيعوا يرحمكم الله . ثم بعد تقدم عبد الرحمن فعانق عمه ثم خرجوا جميعا من المسجد. لكن بلغني بعد أن بورخيس صرح قائلا ، الآن أملك مفاتيح مراكش .

ــــ الخبيث لعنه الله ....... هل من جديد يا إدريس بشأن مبارك ومن معه ؟

ـــ لقد حدثني مساعدي مبارك بشأن ثلاثا من أصدقاءه ، سبق أن كلمهم في أمر آسفي فأعطوه المواثيق والعهود على الدفاع عن المدينة وأنهم سيكونون رهن إشارته . كما اتفق معهم على سرية الأمر وألا يقدموا على فعل دون مشورة .

ـــ وهل كلمهم عنا ؟ استفسر مولاي المهدي

ـــ لا لم يكلمهم  فهو ينتظر ردكم أولا .

ـــ بورك فيه من رجل و بورك فيهم أيضا . الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة.

ـــ ما رأيكم لو كلمتهم يإ ادريس أولا ثم نعقد معهم اجتماعا بعد ذلك ؟

دخل العياشي فغير الرجال الثلاث فحوى الحديث إلى الزرع والضرع و ما حولهم . كان يحمل بين يديه طبقا من دجاج محمر ثم تلاه بطبق كسكس مع كؤوس لبن لم يتغير طعمه . أكل الجميع وشربوا وهم يتبادلون أطراف الحديث و الطرف وغرائب الحديث . بعد قليل أكرمهم بطبق من الليمون تم جنيه أمامهم حتى تكتمل لذة النظر بلذة الذوق فيحصل مراد العياشي بإكرام ضيوفه.

لم يترك الأخ الأكبر لعمي إدريس الفرصة تفوته فبالغ بالإكرام إذ جنى لهم ما لذ وطاب من خيرات حقله . وعند الوداع قال العياشي

ـــ آسفي أمانة في أعناقكم  ، لا تفرطوا فيها ....وإن أردتم عونا فأنا رهن الإشارة .

فاجأت هذه العبارات الرجال الثلاث ، لم يتكلموا وإنما نظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا مشدوهين مما قاله الرجل .

**********

لم تكن مملكة فاس بأحسن من باقي مناطق المغرب ، سلطة ضعيفة و دسائس داخل البلاط ومؤامرات جعلت الدولة الوطاسية تعيش خريف عمرها . وزاد من عزلتها وانصراف الناس عنها عدم قدرتها على تحقيق أي نصر بارز أمام الإحتلال البرتغالي للمدن المغربية الشمالية .

تتابعت أحداث حرب الإسترداد  بهروب آلاف الأندلسيين نحو المغرب فاستقروا في أصيلا و تطوان وفاس . هذه الأخيرة التي استقبلت أيضا أعدادا هائلة من اليهود الذين فروا بدينهم فاستقبلهم السلطان محمد الشيخ الوطاسي وأكرم وفادتهم مما استحق إكبارهم وتنويههم حتى نعتوه بالملك التقي العظيم .  مدينة آسفي بدورها لم تبخل عن ضيوفها بهذا الكرم ، لكنها كانت على موعد مع ضيف مميز جدا .

إنه أبراهام بن زميرو وإخوته السبعة . جلس أبراهام في بيت ميمون الصائغ في قبالة بضعة عشر رجلا يهوديا من سكان آسفي . كان مميزا في لباسه وفي جلسته و كذلك في طريقة كلامه

ــــ لما ضاقت بنا سبل العيش جراء قانون الملك عمانويل هربنا خلسة إلى المغرب فلجأنا إلى فاس .

ـــ أية قوانين ؟ سأله ميمون الصائغ

ـــ  قوانين فرضت علينا التخلي عن عقيدتنا والدخول في النصرانية أو مغادرة البرتغال نهائيا وفي أجل لا يتعدى إحدى عشر يوما  ، كما أوصى بنزع أطفالنا منا وحجز أموالنا وممتلكاتنا .فهربت عائلات كثيرة أذكر منها عائلة كوركوس وعائلة طابيرو. فهاجرنا خوفا على عقيدتنا وتحملنا ما تحملناه من ضياع للمال و التجارة . ولكن كل ذلك يهون في سبيل عقيدتنا .

استمر لقاؤه ببني عقيدته طويلا حتى منتصف الليل  تذاكروا فيه أمورا كثيرا أحوال المدينة وسير قادتها وسير التجارة مع البرتغاليين و ما يمكن أن يمارسه أبراهام وإخوته داخل المدينة و ما هي فرص النجاح وما إلى ذلك . بينما كان لقاؤه الثاني مع القائد عبد الرحمن أكثر دهاء إذ عرف نفسه قائلا

ـــ  سيدي القائد عبد الرحمن أدام الله عزكم وملككم ، نحن  سيدى ،من عائلة بن زميرو ؛ و هؤلاء إخوتي  ؛ فررنا من جحيم  البرتغاليين الذين ضيقوا علينا في ديننا وأموالنا و أبنائنا فلجأنا إلى فاس ثم فررنا من جحيم محمد الشيخ الوطاسي فقد أهاننا و جمعنا في ملاح قديم ومزدحم ولد ضيقا  و تذمرا لدى السكان المحليين منا ، المسلمون واليهود على حد سواء ،وزاد الطين بلة الحريق الذي عرفه الملاح في صيف 1499 أودى بحياة العديد من سكانه وأكواخه . سيدي القائد احترق كوخنا و بقينا أياما وليالي و نحن في العراء ؛ ولم يمض وقت قصير حتى ابتليت فاس بمجاعة قاسية كان وقعها أكبر و أشد على اليهود حتى أنهم اضطروا لبيع أولادهم مقابل كسرة خبز . ناهيك عن الوباء القاتل . إنهم هناك يا مولاي المسلمون واليهود ينتظرون من يخلصهم من الظلم . أجل سيدي القائد الظلم ... فالناس في ضيق شديد وجهد بليغ وقد سمعنا بكم فلجأنا إليكم واخترنا جواركم و احتمينا بعزكم فلا يخيب رجاؤنا فيكم .

الاجتماع الثاني كان أكثر دبلوماسية فقد رتب له أبراهام جيدا فقد كان يدرك جيدا أن بورخيس في حاجة ماسة لمن يسوق مخططه داخل المدينة كما كان يعرف أن البرتغاليين في حاجة لمخاطب في حجم تحضرهم و مستوى معيشتهم وأقرب إلى لغتهم . كما كان يدرك حاجة المدينة لرجل يثق فيه الجانبان يجيد فن اللعب على التوازنات القائمة بين سلطة عبد الرحمن و البرتغاليين .

أبهر ابراهام بن زميرو القائد بورخيس ومساعده دي فرايتاس و رئيس الوكالة بشخصيته المتميزة و بذكائه الخارق ، فقد حدثهم أول ما دخل الاجتماع باللغة البرتغالية ثم ثنى بالإسبانية إضافة إلى العربية ثم مضى يثير إعجابهم بعلمه بالطب والشريعة الإسلامية وبالطبع علمه الواسع  بعقيدته التلمودية . كما كان الاجتماع فرصة للحديث عن التجارة والأدب العربي

 بعد هذا الاجتماع أصبح  نوني ودي فرايتاس يمازح بورخيس قائلا

ـــ إذا كان جلالة الملك عمانويل يلقب بالمحظوظ فأنت أيضا القائد المحظوظ .

غير بعيد من الوكالة كان سيدي احبيبي يسترسل في وصف حال أهل الأندلس

 استعظم أمر ألفونسو يا سادة ، فصار يرهقهم بالجزية و الزيادة . فهرع إليه أمراء الأندلس بالإكرامية  والوفادة ، خانعين ذلا و صغارا كالعادة . بنو عباد وبنو زيري وبنو و بنو .....ما شئت من الأسماء همو

ومما يزهدني في أرض أندلـسٍ *** أسمـاءُ معتمـدٍ فيها ومعتضــــــــد
ألقاب مملكة في غير موضعها  ***  كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد

واستمر الحال على ما هو عليه يا كرام ، كل يبتغي الخلود فوق الكرسي والسلام . بأي ثمن و في كل زمن . إلا رجل سيد الرجال ، المتوكل بن الأفطس بطل الأبطال . رفض الخنوع والذل و الاستسلام ، رفض دفع الجزية و أبلغ في الكلام . قال يا سادة في جواب الرسالة

"وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير وأحكام العزيز القدير يرعد ويبرق ويجمع تارة ثم يفرق, ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنوداً أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ،ولا يخافون, بالتقوى يعرفون, وبالتوبة يتضرعون, ......أما نحن إن قلت أعدادنا ، وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف تشهد بحدها رقاب قومك ، وجلد تبصره في ليلك ونهارك وبالله وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين ليس لنا سوى الله مطلب ولا لنا إلى غيره مهرب ، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت ".

اهتزت الحلقة بالتكبير والدعاء لهدا الأمير، فتهلل وجه سيدي احبيبي فرحا و تابع القول

إن شئت فوزاً بمطلوب الكرام غداً    فاسلك من العمل المرضي منهاجا
واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه    فكل شيء يحط القدر منها جــا

وجم ألفونسو المغرور يا سادة ، فما استطاع ردا و ما هدد بالحصار أو الإبادة ، و ما طالب بمال و لا بجزية ولا رفادة.

والقصة الثانية يا رجال ، قصة فريدة المقال ، جار ألفونسو على ملوك الطوائف بما أحدثوه من أمور سوالف. فهددهم في الأبدان والأرزاق والأوطان . أين المفر العدو أمامهم و البحر وراءهم وليس لهم والله إلا المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين . لكن الأمراء على رأي ابن عباد عابوا وخافوا على عروشهم و ارتابوا. و قالوا أجمعين بلسان عربي مبين ( الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد )

شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ       فَمَـا الْمَقَـامُ فِيهَـا إِلا مِـنَ الْغَلَطِ

الثَّـوْبُ يَنْسَـلُّ مـِنْ أَطْرَافِهِ وَأَرَى    ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولا مِنَ الْوَسَطِ

مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ      كَيْفَ الْحَيَـاةُ مَـعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ

لكن المعتمد صاح وانتفض وبرأيه عنهم انفرد قال في جمع الأمراء والقواد والعلماء  (والله لا يسمع عني أبداً أنني أعدت الأندلس دار كفر و تركتها للنصارى، فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثلما قامت على غيري، تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى أؤدي له الجزية، إن رعي الجمال عند ابن تاشفين خير من رعي الخنازير عند ألفونسو ).

سرت بين الناس همهمة وكلام خافت  و همسات .

ــــ أيها السادة الكرام صلوا على النبي العدنان  ؛الوقت بالإنصراف قد حان و للقصة بقية نكملها غدا في العشية مع ابن تاشفين أمير المسلمين و قائد المرابطين .

في صبيحة اليوم التالي سرى نبأ بين الناس كما تسري النار في الهشيم مفاده أن القائد عبد الرحمن ألقى القبض على سيدي احبيبي . فأصبح الناس بين مستنكر للأمر وبين متسائل أو مكذب كما تناسلت الأسئلة لماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ و متى سيطلق سراحه ؟ و ما مصير حلقة سيدي احبيبي ؟؛ وهل سيبقى في مكانه وسط الساحة أم سيمنع كليا ؟

انتهى الخبر إلى مسامع السي البشير ومولاي المهدي فقررا زيارة القائد عبد الرحمن

ـــ مرحبا بإمامنا الجليل و بتاجرنا الفضيل ، قبل كل أي كلام حاجتكما مقضاة بإذن الله

ـــ أيها القائد جئناك في شأن سيدي احبيبي .

انتفض القائد واقفا من مكانه

ـــ معذرة أيها السادة إلا هذا الرجل ؛ فقد أهانني و عرض بي أمام العامة .

ـــ معذرة أيها القائد هل لنا أن نعرف ماذا قال ؟ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر هذا شرع ربنا 

كان السي البشير حازما في كلامه . ابتلع عبد الرحمن ريقه وقال

ـــ يا إمام قصص هذا الرجل هذه الأيام كلها لمز وتحريض واتهام ، قصص عن ملوك الطوائف وكيف ضيعوا الأندلس فكأنه يشبهنا بهم... وهل ضيعنا نحن مدينتنا يا إمام ؟

ـــ إذن أيها القائد فأنت تشهد أنه لا يعنيك بهذا الكلام

تزاحمت الكلمات في فم عبد الرحمن و اتجه نحو مولاي المهدي

ـــ ولكنه يلمح ولا يصرح و يعرض و لا يفصح و من يجلس إليه يفهم مراده و ما يرمي إليه . ثم من يكون هذا الرجل أنا ما زلت مرتابا في نسبه ومسقط رأسه .

ـــ عفوا أيها القائد ما قاله الإمام هو عين الصواب ؛ كما تعلم سيدي احبيبي ليس له في العير ولا في النفير ؛ هو رجل يقتات مما يقول في حلقته . وقد سئم الناس من قصص عنترة بن شداد و سيف بن ذي يزن و الخرافات . فاجتهد الرجل في إيجاد حكايات تجمع حوله الناس لا غير . كما أرجو أن يتسع صدرك كما اتسع لغيره من الوافدين ثم هو في نهاية المطاف مسلم وهذه أرض الإسلام

ـــ سيدي القائد ؛ نحن عند وعدك و لا نراك إلا ناجزه و أعيذك أن تكون ممن قال فيهم الرسول الكريم ( إذا وعد أخلف ) فحاجتنا مقضاة بإذن الله أن تطلق سراح الشيخ

ـــ على شرط أن يغير هذه الحكايات بأخرى . فهناك قيس وليلى وابن زيدون وولادة و قصص الغرام والهيام فهي أيضا تغري وتجمع الناس أكثر.

ـــ سيدي القائد لو نفعت حكايات الألف ليلة وليلة لنفعت أهل الأندلس  و أمر آخر و أرجو ألا تجد في نفسك منه شيء ؛ إذا كانت حلقة سيدي احبيبي تهدد سلطانك فراجع أساساته .

ـــ ماذا تقصد يا إمام ؟

ـــ إن كانت بعض الكلمات ينثرها هذا الرجل في الهواء نظير لقمة عيش هي ما يخيفكم فأنا الآن أكثر خوفا على سلطانكم منكم

هب القائد واقفا ففهم الرجلان أن عليهما الانصراف فاستبقه مولاي المهدي بقوله

ـــ أرجو أن يأذن لنا سيدي القائد بالانصراف .

ــــ كونا على يقين أن ما يهمنا هم مصلحة البلد ولا يخيفنا كلام هذا أو ذاك ؛ و سنطلق سراح الرجل هذا المساء

خرج الرجلان ثم نادى القائد على مولاي المهدي

ـــ مولاي المهدي أنت رجل لبيب ، و إذا كانت لديك حاجة عندنا خاصة أو عامة فبابي مفتوح لا يغلق في وجهك ولكن لا تحضر معك الإمام .

ابتسم مولاي المهدي وخرج . كان السي البشير ينتظره

ـــ هيا بنا نزور إدريس فقد عزم على الرحيل لزيارة ابنه صالح

بات عمي إدريس يجمع ويلملم حاجياته وكل ما استطاع تحضيره من أجل السفر لزيارة ولده صالح المتواجد في مدرسة عبد الرحمن مول البركي في منطقة تدعى الشهيبة شمال آسفي . بات يتململ في فراشه شوقا لابنه الذي لم يره منذ مدة ليست بالقصيرة . فقد كانت الأعراف الدراسية تقتضي الانقطاع الكامل من أجل التحصيل والدرس و الابتعاد ما أمكن عن المشوشات و ما يشغل الطالب .

تراءت له المدرسة من بعيد ، فازداد قلبه خفقانا واشرأبت روحه لعناق فلذة كبده . كان لزاما على عمي إدريس المرور أولا عند المسئول عن الطلبة . كان مسعود رجلا مهاب الجانب أسمر اللون ذو لكنة صحراوية لكنه كان محبوبا لدى الطلبة حتى صاروا ينادونه ب الوالد ، ومن فرط رعايته للطلبة كان يسهر الليالي كلما ألم بأحدهم مغصا أو وجعا بل ويجتهد في الدعاء حتى يشفى الطالب المريض .

استغل عمي ادريس فترة الانتظار ريثما يكمل الطلبة حصة الدرس ، للتعرف على المدرسة عن قرب . فقد استطاع عبد الرحمن مول البركي أن يؤسس زاوية دينية تضم مسجدا و مدرسة و إقامات للطلبة الوافدين من أنحاء المغرب و كذا لإبن السبيل . كان مسعود يشرح لعمي إدريس ما يتعلق بأمور المدرسة والمدرسين و أنواع العلوم التي تدرس و ما يهم الطلبة ومعيشتهم وإقامتهم .

ـــ هذه المدرسة لها وظائف كثيرة وعديدة ، هنا المسجد هنا تؤدى الصلوات ويتلى القرآن ويجهر بالأذكار كما تعطى دروسا للعامة في الوعظ والإرشاد ، و ذاك الجانب من المدرسة هو مكان التحصيل العلمي والتربية الصوفية ، و ما يحيط بالمدرسة بيوت لسكن الطلبة وقاعة الأكل . كما أن لهذه المدرسة دورا آخر،  يقوم به سيدي عبد الرحمن  و هو حل بعض النزاعات والخلافات بين القبائل كما يتم توفير الأمن للمستجيرين والمحتاجين .

كان عمي ادريس شغوفا بمعرفة سيرة إبنه فأخبر بما يثلج صدره ويطمئن فؤاده.

كان صالح هو الإبن البكر لدى عمي ادريس ، لطيفا للغاية ذو أخلاق عالية كان يشبه والده تماما كأنه نسخة مصغرة منه. حفظ كتاب الله على يد الإمام البشير فنصح عمي إدريس بإرسال ولده إلى الشياظمة عند الجزوليين أو إلى الشهيبة عند عبد الرحمن مول البركي . فاختار عمي إدريس هذه المدرسة لقربها من آسفي .

انتهى لقاء عمي ادريس بابنه صالح  بعدما اطمئن على أحواله وزوده ببعض الملابس الصوفية وشيء من الحلوى والمال ، تحول عمي ادريس بعد صلاة العشاء إلى قاعة الضيوف حيث وجد هناك عبد الرحمن مول البركي ينتظره.

ينحدر الشيخ من أسرة كبيرة تدعى أولاد أبي السباع ينتهي نسبهم إلى الشرفاء الأدارسة . وكانوا قد هاجروا إلى الساقية الحمراء تحت أسماء مستعارة  بعد زوال دولتهم خوفا من انتقام الدول المتعاقبة . كان الشيخ كامل القد ، عربي اللون ، و بلحيته نبات خفيف وله جرح في جانب حاجبه الأيسر . كان متواضعا حلو المعشر لا يفتر لسانه عن ذكر الله .

بعد حفاوة الاستقبال تبادل الاثنان أطراف الحديث عن آسفي وعن أحوال أهله و عائلة بن فرحون ، كما تحدثا عن البرتغال و ما يحاك في الخفاء . كان ملما بالأحداث وعلى دراية كبيرة بما يجري حوله ، كما كان  يقول كلاما  ملؤه المرارة من تردي أوضاع المغرب و انقسام أهله طوائف و دويلات ، لكن ثقته بنفسه جعلته يرى الأمور بشكل آخر. 

ـــ يا أخي إدريس ، من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم ، و إن المعدن النقي لا تزيده النار إلا لمعانا . وأن النصر صبر ساعة ، فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . و لن نفقد المغرب كما فقدنا الأندلس .

استشعر عمي ادريس حرارة اللقاء و قفل راجعا إلى آسفي  بعدما اطمئن على ولده صالح ، كما اطمئن أن في جعبته الكثير مما يفرح ومما يخبر به مولاي المهدي والبشير و شباب المدينة .

***********

في لشبونة عاصمة البرتغال كانت الأمور تمشي من حسن لأحسن . وكان عمانويل ، الملك المحظوظ ، تساق له الأحداث تباعا كهدايا من مستعمراته . وكان بلاطه يضج بالحيوية وأخبار الانتصارات تتوالى فتزيد من سمعة هذا الملك داخل البلد وخارجه .

ـــ مولاي صاحب الجلالة الملك المعظم عمانويل الثالث بسط الرب في عمره و أدام ملكه

تقدم الملك في خيلاء و تبختر في مشيته فانحنى كل من بالقاعة ركوعا له و تحية . لم يتأخر رد فعل المستشار فرنانديز فتقدم نحو الملك

ـــ هل من جديد يا فردنانديز ؟

ـــ نعم مولاي ، رسالة من البابا ورسالة من بورخيس قائد الحملة إلى آسفي و رسالة من أحد الرعايا بآسفي يحيى الزيات .

ـــ هات الأولى

ـــ مولاي الرسالة الأولى تقول : بناء على طلبكم بتثبيت الأسقف خوان أرانها في آسفي ؛ فإننا نمنحه براءة بابوية لترسيمه في مقره ورفع درجة الكنيسة المتواجدة هناك إلى رتبة أسقفية تشمل اختصاصاتها كل تراب دكالة .

هز عمانويل رأسه موافقا و مؤذنا له بقراءة الرسالة الثانية .

ـــ مولاي الملك المعظم ؛ لقد سارت الأمور كما يحب مولاي و يبتغي . لقد تمكنا من كسر شوكة قادة آسفي وتمكنا من عزل القائد حمادي و تعيين إبن أخيه عبد الرحمن بديلا عنه فهو ذو ميول كبيرة لإيالتكم العظيمة وقد صرح أمام الناس جميعا بأنه خديم لأعتابكم ونحن ننتظر موافقة جلالتكم على هذا الإجراء الذي أملته الضرورة  وكذا منافسة الإسبان لنا على هذه المنطقة .

و الرسالة الثالثة هي من يحيى الزيات المبعوث الشخصي لحمادي بن فرحون من أجل تجديد الإتفاقية

ـــ ولكن كما أعلم أنه انحاز إلى إسبانيا .

ـــ مولاي هو يطلب منكم الأمان أولا ، ثم يطرح نفسه بديلا عن عبد الرحمن لقيادة آسفي

ـــ صدق ألفونسو السادس إذ قال "كيف أترك قومًا مجانين تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم، وكل واحد منهم لا يسل للدفاع عن نفسه سيفا، ولا يرفع عن رعيته ضيما ولا حيفا" .... المهم ماذا تقول أنت يا فرنانديز.

ـــ الأمر لمولاي الملك وإذا أذنت لي يا مولاي تكلمت ...... إن من مصلحتنا أن نثبت عبد الرحمن قائدا على آسفي فهو على الأقل بقي على ولاءه ؛ بخلاف الزيات الذي يتقلب على بطنه وتارة على ظهره و غير مأمون التوجه والوجهة . والأمر الثاني يا مولاي أرى أن نقوم ببعض التغييرات داخل المدينة أبرزها و أكثرها إلحاحا تغيير رئيس الوكالة التجارية . فالمرحلة المقبلة يا مولاي تحتاج لرجل يجمع بين الحنكة السياسية والعقلية التجارية و الخبرة العسكرية إن اقتضى الأمر ذلك

ـــ ومن تراه مناسبا لهده المرحلة ؟

ـــ إن أذن لي مولاي أن أتكلم معه على انفراد .

أشار الملك بيده فخرج الجميع

ـــ يا مولاي عبد الرحمن أثبت ولاءه لكم علانية أمام العامة و من واجبنا حفظ هذه الحركة في سجله لديكم ؛ وذلك بالتفاتة مولوية  مثلا إسقاط الإتاوة عنه حتى يطمع في كرمكم و يطيع أكثر أو شيئا آخر يراه مولاي. كما نفهمه أيضا أنكم يا جلالة الملك القائد الأوحد لآسفي وأنه ليس سوى خديم لكم ، وأن عليه تنفيذ الالتزامات والتعهدات كما هي متفق عليها ؛ وألا يحابي التجار الإسبان . أما بالنسبة للزيات فلا نفقده الأمل في كرمكم........ فبإمكاننا التلويح له بالقيادة خصوصا وأنه أعطى وعدا بإنشاء قلعة لنا داخل المدينة ؛ كما نجعله شوكة في خاصرة عبد الرحمن نؤرقه بها كلما حاول أمرا غير مرغوب فيه .

ـــ حسن ..... وماذا عن رئيس الوكالة الجديد ؟

ـــ لدي يا مولاي ثلاثة أسماء ...جاك مونتا و راي فرنانديز و بيرو مانديس .... الأولان يعملان بالوكالة وهم أكثر دراية بالمدينة وأهلها ولديهما تجربة تجارية كبيرة غير أنهما يفتقدان للخبرة العسكرية . اما بالنسبة للرجل الثالث فقد خبر الحرب مع المغاربة في أكثر من جهة ؛ كما يضاف إلى سجله دهاءه السياسي المميز وله أيضا دراية بالتجارة  . والأمر إليكم با مولاي.

ساد الصمت برهة من الزمن ثم نطق الملك

ـــ أدع لي مانديس ؛ واكتب كتاب تعيينه ؛ سأعينه رئيسا للوكالة على ان يساعده مونتا وراي فرنانديز في مهمته.

ـــ أمركم يا مولاي .

***********

حل يوم حفل عقد القران بين مبارك و ريحانة بنت السي البشير.

بالأمس كانت النساء على موعد حفل الحناء ، وهو موعد له أكثر من دلالة لدى الأسر المسفيوية . فمن عادة أهل المدينة تزيين الفتاة و تخضيب يديها بالحناء وتمشيط شعرها ببعض الزيوت والأعشاب العطرية كالريحان والسنبل و غيرها . ويكون هذا اليوم خاصا بالنساء فقط  ، تتخلله فقرات من الغناء والضرب على الدفوف و الرقص و ما شابه ذلك من طقوس نسائية خالصة في مثل هذه المناسبات . ص 254 ليون الإفريقي

استعد مبارك بما يكفي ؛ فقد اشترى ملابس جديدة ونعلا جديدا ؛ وكان من قبل قد اكترى بيتا بالقرب من المسجد حيث بيت صهره. لم يكن المنزل مكونا سوى من غرفتين و بهو صغير و لكنه يفي بالغرض لزوجين حديثي الزواج . كما كان يستشير عمي ادريس في كل صغيرة وكبيرة فهو ولي نعمته و صاحب فضل عليه .

حل اليوم الذي انتظره كثيرا ؛ فقد حضر والده و خاله من بادية الشياظمة كما دعا جميع أصحابه . كان بيت السي البشير على صغره وتواضعه مكتظا بالمدعوين فقد حضر عمي ادريس و مولاي المهدي و المدني و سيدي احبيبي و أناس آخرون من الجيران والأقارب .

افتتح إمام مسجد القصبة العرس بقراءة بعض آيات كتاب الله من سورة الروم ،ثم بدأ القاضي بإبرام عقد الزواج ، فذكر بمقاصد الزواج و دعا للزوجين بالبركة في الرزق و بالذرية الصالحة . وبعد انتهاء القاضي من عمله  داعب مولاي المهدي سيدي احبيبي قائلا

ـــ ما لي أرى سيدي احبيبي صامتا ؟ ألا يذكرك هذا الحفل بشيء من الطرائف والأخبار الغريبة ؟

ـــ إذا خرجتم معي إلى حيث أكون في الساحة فقد تركتها هناك .

ضحك الجميع ولكن سيدي احبيبي استرسل في الكلام و خاطب القاضي قائلا

ـــ سيدي القاضي هل في طلب عندك ؟ .............أريد أن تخطب لي امرأة أتزوجها .

عم الصمت داخل البيت فلم يتجرأ أحد من قبل على القاضي .

ـــ ولكن بشرط سيدي القاضي .

ابتسم القاضي وقال

ـــ و ما هو شرطك ؟

ـــ لا أريدها جميلة، فيطمع فيها غيري.. ولا   قبيحة، فتشمئز منها نفسي.. ولا طويلة فأرفع لها هامتي.. ولا قصيرة فأطأطئ لها رأسي.. ولا سمينة فتسد علي منافذ النسيم.. ولا هزيلة فأحسبها خيالي.. ولا بيضاء مثل الشمع.. ولا سوداء مثل الشبح.. ولا جاهلة فلا تفهمني.. ولا متعلمة فتجادلني.. ولا غنية فتقول هذا مالي.. ولا فقيرة فيشقى من بعدها ولدي.

أنعشت هده المستملحات البيت بهجة وحبورا فلا تسمع إلا قهقهة و استغراقا في الضحك .

ـ بلغنا أيها الحضور الكريم بعض العادات الغريبة في الزواج من بلاد الصين إذ يقوم بعض أقارب العروس بوضعها أعلى شجرة ويقيمون جميعاً تحتها مسلحين بالعصي فإذا رغب أحد الأشخاص في اختيار هذه الفتاة عليه أن يحاول الوصول إليها والأهل يحاولون ان يمنعوه ضربا بالعصي فإذا صعد الشجرة وأمسك يديها عليه أن يحملها ويفر بها وهم يضربونه حتى يغادر المكان ويكون بذلك قد ظفر بالفتاة وحاز على ثقة أهلها .

ـــ ومن يجرؤ على تحمل الضرب بالعصي  ، لا شك أن العزاب والعوانس عندهم كثر.

شارك مولاي المهدي الجمع بهذه الكلمات لكن المدني كان له رأي آخر .

ـــ أما أنا  ... فقد أشبعني والدي ضربا دون أن أفوز بمن أردت ، ...... سأحكي لكم قصة قدومي إلى مدينة آسفي ؛ .....فأنا من منطقة الشياظمة توفيت أمي وبقيت مع أبي في البيت فكان يستحثني ويشجعني على الزواج . مرت الأيام و أحسست برغبتي في ذلك  فكلمت والدي بشأن الموضوع و بشأن العروس أيضا . اشترينا بعض الأغراض من أجل الخطبة وحددنا الموعد مع والد البنت . ولما حانت ساعة الذهاب عند الناس منعني والدي وقال إن هذا الأمر معيب في عاداتنا وتقاليدنا . بقيت في البيت أنتظر ...و أنتظر ..لساعات طوال ... تأخر والدي كثيرا فلم أطق صبرا فقد قربت الشمس من المغيب ولا خبر ؛ صعدت فوق السطح لعلي أرى هامة والدي عن بعد ؛ أظلم الليل فقررت أن أقترب من منزل العروس فربما أفوز بخبر ما يسعدني تلك الليلة لكن لا شيء اللهم إلا نباح الكلاب. وفجأة سمعت قهقهة والدي وأب العروس عن بعد . أسرعت الخطى إلى بيتنا و جلست انتظر فدخل والدي غاضبا عبوسا مقطب الحاجبين ؛ فسألته هل وافق أب العروس . فنهرني وبدأ يسب ويشتم وكان مما قال 

ـــ أرأيت اختيارك الأخرق ؛ أهؤلاء الذين تود مصاهرتهم ؟ قوم سوء وقلة أدب ؛ أف لك ولهم ؛ أهانوك وأهانوني حتى استحييت من نفسي .

ـــ كيف حدث هذا ؟ وماذا حصل ؟

ـــ رفضوا مصاهرتك .......... وبعد طول إلحاح واستجداء ...قبلوا بي أنا وعلى مضض ........

بدأ الجميع يضحك فقال سيدي احبيبي

ـــ حذار يا مبارك من أبيك فقد يقتدي بوالد المدني .

ـــ استسلمت للأمر مكرها وبت تلك الليلة في شر مبيت . مر أسبوع على الحادث فصمم أبي  على استقدام عروسه لكني نبهته أن أحوال الطقس لا تسعف ، فالجو مطير جدا و الطرق غير سالكة . لكنه شك في نيتي و أصر وقرر ما قرر. جاءت العروس وبعض أهلها في أمسية شديدة البرد  كثيرة الأمطار . مر الحفل وبينما كنت أستعد للنوم سمعت صوتا   ، فقد انهار السقف على أبي و زوجته في ليلة عرسه.

ضج البيت بالضحك  لكن المدني تابع

ـــ دعوت بعض الجيران و أخرجنا والدي وعروسه من تحت الأنقاض حيث أصيبا ببعض الرضوض . وما إن طلع النهار حتى طلق والدي زوجته باعتبارها نذير نحس وشؤم ؛ وأشبعني ضربا و طردني من البيت لأني في نظره أنا السبب في هذه الخطبة . وهذه هي قصة قدومي إلى هنا  ....

انفض العرس بالدعاء للعروسين بعدما أكرمهم السي البشير غاية الإكرام .

بعد هذا الحفل احتجب سيدي احبيبي عن الناس بسبب مرض زوجته فاطمة إذ لم تتقبل اعتقال زوجها من قبل القائد عبد الرحمن . فقد عانت المسكينة من قبل من ويلات الحبس و التغريب أيام كانت بالأندلس ، فلم تعد لديها القدرة على تحمل المزيد خصوصا وأنها قد بلغت من الكبر عتيا . بات سيدي احبيبي لا يفارقها بل و يقوم بأعباء البيت  ، يعجن ويطبخ ويصبن ويكنس . فكان هذا يزيد من معاناة فاطمة فعاودت الطلب

ـــ حبيب ، ناشدتك الله أن تستجيب لطلبي ....فكلما رأيتك تقوم بأعباء البيت ازددت مرضا و أنا كما تعلم لا أحب أن أراك في هذه الحال .

ـــ إطمئني فاطمة فأنا مرتاح تماما و لا داعي لتكرار الطلب مرة أخرى .

ـــ ناشدتك الله دعني أراك كما أحب قبل وفاتي . لا أريد أن أموت والغصة في حلقي من مرارة الأيام فقد كنت الغني واليوم أنت الفقير وكنت السيد و أنت اليوم الخادم تطبخ وتكنس ، وهذا ما يحز في نفسي.

ـــ وتلك الأيام نداولها بين الناس صدق الله العظيم . يا فاطمة الدنيا يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب ، ولكن الآخرة لا يعطيها إلا لأوليائه فلا تجزعي من ذهاب المال والمكانة فكل شيء بأمره تعالى .

ـــ حبيب ، أملي أن أراك متزوجا من سعادة فهي امرأة طيبة وأحب أن أرى لك زوجة تخدمك وتلبي مطالبك .

ـــ لا تذكري الموت مرة أخرى ....أرجوك ، و غيري هذا الموضوع .

ـــ لن أغيره فأنا أدرى بك و بمصلحتك .

لم تكتف فاطمة بهذا السجال مع زوجها بل طلبت من سعادة لتدعو لها صالحة زوجة عمي ادريس و أم الخير زوجة المدني .

ـــ لقد دعوتكما لأمر أهمني كثيرا ...إنه يخص زوجي حبيب ، فأنا كما تعلمان مريضة وأنتظر منيتي بين عشية وضحاها ، وقد آلمني أن أرى حبيبا بدون زوجة تخدمه و تؤنس وحدته . فحبيب رجل رقيق فإذا مت فلن يخرج من البيت و لن يقابل أحدا و لن يعود إلى سابق عهده . ومن مصلحته أن يتزوج و قد تفاءلت باسميكما ، صالحة وأم الخير ... فهذا أمر صالح وسيكون الخير على أيديكما . فقد سبق لي أن حدثت حبيبا لكنه رفض .

ـــ أنت امرأة طيبة يا فاطمة و من تستطيع أن تفعل ما فعلت ؟. ومن تكون المعنية بالأمر ؟

ـــ سعادة ، دادة سعادة كما تنادوها.

ـــ ونعم ما اخترت لزوجك . هي امرأة طيبة و شابة و خدومة و فوق هذا لا معيل لها .

ـــ سأكلم زوجي إدريس و هو بدوره سيكلم الإمام و مولاي المهدي و أظن سيدي احبيبي سيتفهم الأمر ويقبل .

لم يجد سيدي احبيبي بدا من الإنصياع لكلام الرجال الثلاث فوافق على مضض والألم يعتصر قلبه من أن يكون آخر عهده بفاطمة أن يدخل عليها ضرة . و كانت استجابته مقرونة أنه لن يحضر سعادة إلى بيته و لكن تبقى هي في بيتها و حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

دادة سعادة كما يسميها الجميع امرأة في عقدها الرابع ، بعد وفاة زوجها في إحدى معارك آل فرحون تنكر لها القائد حمادي و اضطرت تحت ضغط الحاجة أن تعمل في بيوت المدينة . لكنها اشترطت على سيدي احبيبي و أمام القاضي وباقي الحضور

ـــ ما مثلك يعاب سيدي احبيبي و لكن لي شرطان الأول أن أخدم فاطمة في بيتها و أن تعتبرني خادمة عندها وليست ضرة فإن رضيت بذلك وافقت .. والشرط الثاني أن نساء المدينة يحتجنني في مسائلهن الخاصة و قد أدعى ليلا أو نهارا ولا يمكنني رفض دعواتهن .

ـــ أنا موافق على الشرط الثاني أما الأول فهو يخص فاطمة فاسألوها هي

سارت الأمور كما يجب وكما رضيت فاطمة

ـــ هل تسمحين لي بمناداتك للا فاطمة ؟

ـــ بل ناديني أختي فاطمة ، فأنا أختك وأنت أختي  ، اسمعيني يا فاطمة لي عندك رجاء ، أنا الآن ارتحت و اطمأنت نفسي على حبيب و لا أراني إلا مفارقة للدنيا عما قريب ، فرجائي أن تهتمي بحبيب فقد كان مطاعا في قومه و تاجرا في ماله ولكن الدنيا دنية لا يطمئن إليها أحد أو يسكن إلينا إنسان عاقل .

ثم انسابت دمعتان من عينيها على خديها فمسحتهما سعادة وقالت

ـــ هوني عليك أختي فاطمة إن شاء الله ستخفين وتنهضين لتملئي الدار علينا حبورا وبهجة و أما حبيب فهو أخي قبل أن يكون زوجي و كوني على يقين أني سأبدل كل ما في وسعي ليبقى حبيب حبيبا لكل الناس جميعا ، فلا تحملي هما .

هزت فاطمة رأسها وابتسمت ثم طلبت من سعادة أن تنادي على حبيب.

ـــ الحمد لله ارتاح بالي ، أوصيكما بنفسيكما خيرا . .....

غابت عن الوعي قليلا ثم استفاقت وقالت

ـــ جزاك الله عني كل الخير يا حبيب و أرجو أن تغفر لي سقطاتي وهفواتي

أراد سيدي احبيبي أن يتكلم لكنها أشارت إليه بيدها مقاطعة.

ـــ أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله .

*********

توالت لقاءات علي و زهرة و توالت معها كثرة الخرجات في عتمة الليل ، ولم يكن بمقدور يامنة أن توقف هذا السيل الجارف ، وأقصى ما استطاعت القيام به هو تحريض حادة على سؤال علي متى سيفاتح عبد الرحمن في أمر الزواج . هذه الأخيرة كانت تماطل مرة وتسوف أخرى وفي بعض الأحيان تجيب نيابة عن علي بأنه سيفعل حين تستوي الأمور داخل المدينة أو تدعي النسيان في مرات عديدة  ، مما أثار حنق يامنة عليها بل و هددتها باستعداء زوجها عليها

ـــ وماذا ستقولين له ، هل ستخبرينه بالحقيقة كاملة أم أخبره أنا ؟

ـــ ما هذا الذي أسمع منك يا حادة ؟

ـــ معذرة سيدتي ولكن أنت من هددتني بسيدي ، ولئن فعلت لأخبرنه بكل شيء وبالهدايا و...

ـــ اصمتي ..اصمتي واخفضي صوتك قبحك الله من لئيمة .

ارتمت يامنة باكية على طرف السرير . لم تعد تدري ماذا تفعل . هل تفاتح زهرة في الأمر أم تسكت ؟ هل ترسل في طلب علي وتطلب منه أن يتقدم لابنتها كما وعد ؟ و ماذا لو علم عبد الرحمن بالأمر ؟ أكيد ستكون نهايتها على يديه ذبحا من الوريد إلى الوريد . رباه ماذا جنيت على نفسي وعلى بنيتي . ومن تكون حادة ؟ شيطان في ثوب إنسان ....أنا الملامة في هذا الأمر و أنا المسئولة أول و أخيرا .....أنا التي سلمت أمري للخادمة . أنا التي ألهتني الدنيا عن مسؤوليتي اتجاه بيتي و أسرتي . أنا التي ....

ثم فتحت صندوقا كان في ركن البيت و بدأت ترمي ما به من أثواب وهدايا على الأرض وقد انتابتها موجة من الهستيريا.

ـــ تبا للهدايا والعطور... تبا للأثواب .... تبا للمال.. تبا للجاه تبا لكم جميعا إن ضاعت بنتي .... أريد بنتي أريد زهرة . أريد زهرة حياتي ... لا تأخذوا مني زهرة .... لا تأخذوا مني زهرة ..... حادة أيتها اللعينة أعيدي إلي ابنتي ....... أنت السبب في ما جرى أنت من زين لي علي و أغراني بهده الأشياء . أغربي عن وجهي قبحك الله من لئيمة .

دخلت زهرة الغرفة بعدما سمعت صراخ ونحيب أمها

ـــ ما بك أمي ؟ .....ماذا وقع ؟ حادة.......... ماذا حصل لأمي ؟

لم تجبها حادة ارتمت عليها يامنة وهي تنتحب و تقول

ــــ إبنتي زهرة ...زهرة عمري لا تذهبي عند علي لا تذهبي عند علي ، سامحيني ابنتي سامحيني ألهتني الدنيا ، سامحيني تركت مصيرك بيد هذه اللعينة ....... أخرجي قبحك الله من لئيمة . زهرتي و بنيتي بعتك بهذه الهدايا بعتك بهذه العطور بعتك يا بنيتي بثوب نجس دنس شرفك  ،...... بعتك بمال زائل ....أوقفك به عارية في سوق النخاسة . بعتك بحياة اللهو والفجور.... بعتك للذئاب تنهش لحمك الطري ،...... بعتك بحفنة من المال .....فليذهب المال و الجاه والعطور والهدايا.... ولتذهب الدنيا كلها ولتعودي لي زهرة . لن تذهبي أليس كذلك ، هل تعدينني أنك لن تذهبي مرة أخرى ؟.

ثم انتابتها موجة من الهستيريا ، فبدأت تصرخ وتصيح وتلطم خديها وتمزق لباسها والأثواب المرمية على الأرض وتكسر قوارير العطر، وزهرة تتابع حركات أمها في ذهول كبير لم تنطق معه بكلمة وهي التي كانت تعتقد أن أمها لا تعلم شيئا عن أمر خروجها . استمرت يامنة على حالها برهة من الزمن ثم سقطت مغشيا عنها فوق بساط الغرفة.

وضعت زهرة أمها فوق السرير بمساعدة حادة و خرجت باكية بعدما طلبت من الخادمة جمع أغراض أمها وإرجاعها للصندوق . لكن هذه الأخيرة كان لها تدبير آخر فقد تركت الغرفة مبعثرة ليراها سيدها عبد الرحمن . فقد آن الأوان لقطف ثمرة مخططها الذي بدأته مند زمن .

لما عاد عبد الرحمن وجد زهرة تبكي في صحن الدار ، استفسر حادة فأخبرته بحالة زوجته .لم يملك نفسه أن اندفع بسرعة نحو غرفة نومه . كانت يامنة في غيبوبة تامة وكانت تصدر شخيرا مزعجا ، وكانت أغراضها مشتتة ذات اليمين وذات الشمال ، فرق لحالها لكنه لاحظ مجموعة من الهدايا والأشياء الثمينة متناثرة على الأرض فتسائل في نفسه عمن أتى بها إلى بيته . كما لاحظ أنواعا شتى من قوارير العطر مكسرة ومفرغة من محتواها إلا قليلا .

ـــ أنا لم أحضر كل هذه الأشياء ، هذه الأثواب لا تباع إلا عند منصور بن سعد الله وهي غالية الثمن ، وهذه العطور لا يبيعها إلا عبد الله بن جطو . أما هذه القلادة فقد عرضها علي ذات مرة البرتغالي لوبيز . ولكن كيف وصلت إلى يامنة ؟ هذه اللئيمة حادة لن تخبرني بشيء ولو قطعتها إربا . أما زهرة فما تزال صغيرة  لا تدري من كيد النساء شيئا. لكن لا بأس سأنتظر حتى تشفى يامنة ويكون لي معها حساب عسير .

خرج عبد الرحمن لا يلوي على شيء حتى وصل السوق حيث التجار الثلاثة الذين ذكر. فرح أهل السوق بمقدم القائد وحده دون حرس و دون ضوضاء فاعتبروها نوعا جديدا من التواصل بين القائد و عموم السكان فازداد ترحيبهم له . بدأ عبد الرحمن يسأل عن أحوال الناس وتجارتهم و عن نوعية البضائع والزبائن و كذلك سأل عن أحوال التجار البرتغاليين و مدى تأقلمهم مع سكان المدينة

ـــ أريد ثوبا مميزا لم يأخذ غيري مثله من قبل ...... أرني ذلك الثوب

و أشار إلى ثوب مثل الذي رآه عند يامنة .

ـــ سيدي كان عندي ثوبين أحدهما اشتراه القائد على بن واشمان والآخر هو لك

ـــ قلت أريد ثوبا لم يأخذ غيري مثله.

طاف القائد على التاجرين الآخرين وسألهما نفس السؤال فأعطوه نفس الجواب ؛إنه القائد علي بن واشمان . بات عبد الرحمن يتقلب  في فراشه لعله يهتدي إلى حل.

ـــ هل كانت يامنة تخونني مع علي ؟ هل كان ينقصها المال ؟ أم الأثواب ؟ هل كان غيابي المتكرر دافعا لها للخيانة؟ هل كانت زهرة تعلم بهذا الأمر ؟ لا يمكن زهرة ما تزال صغيرة عن فهم هذه الأشياء  ترى ما هو دور تلك اللئيمة حادة ؟ يا لها من خبيثة ماكرة  ؛ ثم ما العمل ؟ كيف السبيل للوصول إلى الحقيقة و يامنة ما تزال في غيبوبة ؟ .

أسفر الصبح عن عبد الرحمن ولم يدق طعما للنوم هذه الليلة فاتجه رأسا إلى غرفة نومه حيث ترقد يامنة . هذه الأخيرة التي سمعت بمقدمه فابتسمت لعلها تجد ما يواسيها أو يخفف من غضبه عليها . دخل مكفهر الوجه مقطب الحاجبين فاستل سيفه ووضعه على رقبتها

ـــ انطقي يا خائنة هل كنت تخونيني مع علي ؟ انطقي قبل أن أفصل هذا الرأس عن جسدك  . تكلمي يا خائنة

لم تطق يامنة جوابا خوفا من عبد الرحمن و حرصا على زهرة ألا يمسها سوء . فيكفيها ما ساءها من تصرفات أمها . بقيت مستسلمة لتعنيف زوجها راضية بما سيأخذه في حقها من عقاب . فهي في قرارة نفسها تريد أن تتطهر مما سببته لابنتها زهرة .

ـــ حسنا لا تريدين أن تتكلمي ؛ سأجعل لكما ميتة لم يعرف التاريخ مثلها من قبل  وجنازة لم تشهدها الدنيا قاطبة ألا يرضيك عزيزتي كما جمعكما فراش واحد سيجمعكما سيف واحد و يختلط دمكما في دم واحد و سأدفنكما في قبر واحد أيها العاشقين المتيمين حتى تبقيا مجتمعين إلى الأبد . أليس هذا جميلا يا عزيزتي .

كانت حادة تقف خلف النافدة تسمع لهدا الحوار و حين هم عبد الرحمن بالخروج اختبأت وراء ستارة بالقرب منها. خرج والسيف يلمع في يده و الشرر يتطاير من عينيه غضبا وحنقا على يامنة.

ـــ حمان ... حمان ....

ـــ أمرك سيدي .

ـــ اذهب إلى علي بن واشمان وقل له إن سيدي يدعوك لنزهة ضرورية بعد صلاة الظهر .

خرج حمان مسرعا كعادته في قضاء حوائج سيده ؛ فهو يعرف قسوته وشدة بأسه.

لم يستسغ القائد علي بن واشمان هذه الدعوة المستعجلة و على انفراد . بدت علامات الحيرة على قسمات وجهه.

ـــ ترى ماذا يريد عبد الرحمن مني في هذا الوقت ؟ فليس من عادته دعوتي للخروج على انفراد ؟ أما يزال حاقدا علي ؟ ربما يريد أن يستشيرني في أمر خاص بعيدا عن أعين البرتغاليين . لكن بإمكانه دعوتي إلى بيته وتحت جنح الظلام . أكيد أن في الأمر شيئا و لابد أن أعرفه قبل لقاءه.

ـــ عطوش .... عطوش ... اذهبي إلى تلك اللئيمة حادة واسأليها سرا ما بال سيدها عبد الرحمن دعاني على وجه السرعة هل حدث ثمة شيء بشأن الأزهار .

ـــ أية أزهار سيدي ؟ لم أفهم مرادك ؟

ـــ لا تناقشيني فيما أقول .......نفذي وإياك ثم إياك أن يعلم بك القائد عبد الرحمن .

انصرفت عطوش بينما بقي علي يفكر في هذا الأمر . يقطع باحة منزله جيئة و رواحا . كانت الدقائق تمر ثقيلة مملة و فجأة دخلت عطوش

ـــ سيدي ، كاد القائد عبد الرحمن أن يفتك بي ، سألني والشرر يتطاير من عينيه و كان يحمل سيفا على عاتقه ، سألني من أكون وماذا أريد ؟

ـــ ومادا أجبته؟

ـــ قلت له أن سيدتي منانة مريضة و جئت أطلب دواء من عند حادة ؛ نهرني أولا ثم سمح لي بالدخول عندها . فأخبرتها خبرك فأجابتني أن سيدها أقسم بقطع رأس من عبث بأزهاره و هو عازم على ذلك بعد صلاة الظهر .

ـــ ومن سيدتك منانة ؟

ـــ لا أدري اسم جاء على طرف لساني فنطقته .

أحس علي أن في الأمر مكيدة فخرج وقد وضع لثاما على وجهه قاصدا يحيى بن تاعفوفت و هو يلتفت يمنة ويسرة مخافة الغدر به من قبل أتباع عبد الرحمن . وصل مسرعا فطرق الباب طرقا خفيفا ؛ ولما فتح له اندفع دون استئذان .

ارتفع الأذان معلنا صلاة الظهر ، فتنفس عبد الرحمن الصعداء أخيرا فقد حانت ساعة الصفر . توضأ على عجلة من أمره ثم خرج. كبر و بدأ يصلى بعض الركعات قبل أن تقام الصلاة ؛ وفجأة دخل علي متبوعا بيحيى وعشرة رجال فاستحثوا الخطى نحو عبد الرحمن الذي رفع رأسه من الركوع  .

ـــ سمع الله لمن حمده .

فانهال عليه بن واشمان بسيفه من الخلف وأردفه يحيى بطعنة أخرى من الأمام ؛ فارتاع المصلون وفروا في جميع الاتجاهات ولما أراد أصحاب القتيل إلقاء القبض عليهما اعترض سبيلهم عشرة رجال كان علي قد جهزهم لهذا الأمر و قد جردوا سيوفهم فدهشوا منهم واعتقدوا أن الوقيعة كانت عامة داخل المسجد وخارجه وأن البلد كلها حرب للقائد يحيى و من معه .

ولما فرغوا من قتله ولم يعارضهم أحد خرجوا إلى الساحة المقابلة للمسجد و صاروا يخطبون في الناس

ـــ أيها الناس؛ اسمعوا يرحمكم الله؛ إننا لم نقتل عبد الرحمن طمعا في الرئاسة وفي المال ولا في الجاه. ولكن قتلناه رحمة بكم و رأفة عليكم . أيها الناس نحن نريد أن نحرركم من ظلمه وطغيانه، منذ أن صار قائدا عليكم اقتحم على الناس بيوتهم ودورهم ومحلاتهم. كنا نريده رجل وفاق كما كان القائد حمادي رحمه الله لكنه اختار أن يكون رجل شقاق ونفاق. أيها الناس نحن لم نخضع للوطاسيين ولا للهنتاتيين بمراكش إلا لكوننا نريد أن نعيش أحرارا ؛ فأنتم اليوم أحرار اختاروا من شئتم لقيادة المدينة .

هدأت النفوس شيئا فشيئا ولكنها كانت كالرماد الذي يخفي تحته ما يخفي ، وبدا على الناس تقبل الأمر الواقع فصاح أنصار الرجلين يهتفان باسمهما قائدين جديدين للمدينة و هتف بعض الناس معهما.

ـــ هيئوا لعبد الرحمن جنازة تليق بمقامه .

وصل النبأ الأليم إلى أهل القتيل فضج البيت صراخا وعويلا،. لم تزد يامنة المفاجأة إلا أن عقدت لسانها و إنهاكا لصحتها فلم تعد تقو على الكلام كما عافت الطعام و صامت عن كل شيء . كانت تحس بأنها السبب فيما حصل فلجأت إلى تعذيب ذاتها ؛ ورغم المحاولات التي بذلتها زهرة و باقي الخادمات لثنيها عن قرارها فإنها بقيت مصممة على تصرفها و متمسكة به .

أما زهرة  فانهارت مغمى عليها بعدما نثرت شعرها وشقت جيبها ولطمت وجهها وفعلت كل شيء إلا أن تتهم نفسها بأنها المسئولة فهي لم تعلم بعد لم قتل علي أباها. وكانت حادة بحكم العلاقة السابقة و مرض الأم هي المزود لها بكل المعلومات و طبعا يجب أن تبقي نفسها و زهرة بعيدتين عن مسؤولية هذه الفاجعة تجنبا لردة فعل ممكنة من قبل الفتاة.

 عمت الفوضى أرجاء المدينة فاستغلها اثنا عشر إسبانيا للفرار من السجن والالتحاق بقائد برتغالي يدعى أزامبوخا كان حاكما على كاستيلو ريال طالبين منه التدخل لاحتلال المدينة شارحين له بالتفصيل الأوضاع العامة و تهافت القادة واقتتالهم على القيادة .

في الطرف الآخر و في هدوء تام كان أنصار القتيل عبد الرحمن يتربصون بعلي الدوائر ، فلم يتقبلوا بعد أسباب الفاجعة ، كما كان الخوف من انقلاب علي على البرتغال و من ثم تهديد مصالحهم بشكل مباشر هاجسهم الأكبر. ************

 اكتمل عقد المجموعة التي أخذت على عاتقها الوقوف في وجه الأجنبي و مخططاته بحضور مولاي المهدي و الإمام السي البشير، اللذان خرجا بعد صلاة الجمعة كأنهما في نزهة برفقة فرج حاملا بعض الأغراض على ظهر دابته، بينما خرج الشباب متفرقين كل بمفرده على أن يكون التجمع في بيت العياشي ، الأخ الأكبر لعمي إدريس ، بالشعبة بعد صلاة الجمعة .

بعد الغداء الذي أحضره مولاي المهدي تسائل مبارك عن مخططات البرتغال بعد هذه الأحداث و ما هو رد فعل بيرو مانديس ؟ هل سيبقى مكتوف الأيدي أم له ترتيب آخر؟ .

ـــ واقعنا أيها السادة لا يفرح أحدا و مستقبلنا لا يبشر بخير؛ وما وقع بالأمس خير دليل ؛ للأسف القادة الذين كنا نعول عليهم للوقوف في وجه الأجنبي صاروا يقتتلون فيما بينهم ، و للأسف أن القتل امتد إلى داخل بيوت الله دون مراعاة لحرمتها ، كما صار القادة أكثر ارتهانا للعلج  مقابل موافقته عليهم حكاما للمدينة ، وهم في الحقيقة أصحابها .

ـــ يتهافتون كالذباب على كرسي زائل ،..... ولو دام لغيرهم ما وصلهم.

 كلمات أرسلها السي البشير تعقيبا على مولاي المهدي .

ـــ أيها السادة كفانا كلاما ....... نريد أعمالا.

ـــ أنا على مذهب عمر يجب أن نغير هذا الواقع و أول هذا التغيير يبدأ بمن فرط في المدينة

ـــ ماذا تقصد يا سالم ؟

ـــ يجب أن نغتال علي و يحيى فهما رأس الداء يا إمام.

ـــ ثم ماذا بعد ؟

ـــ نجلي البرتغاليين والإسبان عن مدينتنا و نحكمها بما يرضي الله .

ـــ يا ولدي لا تجعل حماستك تأخذك أكثر من اللازم .

الرأي قبل شجاعة الشجعان **** هو الأول وهي في المقام الثاني

يا ولدي ،.....كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله.... ثم هل تعتقد أن قتل علي و يحيى سيغير من واقعنا شيئا ؟. وهب أنك تمكنت من قتلهما هل سترضى عنك العامة و تقدمك حاكما عليهم ؟ ...كلا يا ولدي.... ستجلب لك مزيدا من الأعداء والناقمين و ستدخل في دوامة من الفعل و ردة الفعل.... كن على يقين أن أنصارهما لن يقفوا مكتوفي الأيدي، و نجري آنذاك حماما من الدماء داخل المدينة نحن في غنى عنه . وسنفتح الباب على مصراعيه لمزيد من الفتن . و سأسألك سؤالا من سيكون المستفيد الأول ؟.......إنه الأجنبي بالطبع .

ـــ و هل من قدرنا أن نبق نحن مكتوفي الأيدي؟ .

ـــ و هل يحق لك قتل رجل مسلم بغير حق ؟ ثم أليس في جعبتك خيار آخر لتصحيح الوضع سوى القتل ؟

ـــ و هل هؤلاء مسلمون ؟  الذين يبيعون أوطانهم للأجنبي هم خونة و يجب الضرب على أيديهم .

ـــ يا أولادي، نحن يحكمنا شرع الله أولا  و نريد أن نكون رحمة لأهالينا لا نقمة عليهم ، إذا كان تغيير المنكر يؤدي إلى منكر أكبر منه فإنه يصير آنذاك  فتنة. و رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالسمع والطاعة ولو تأمر علينا من تأمر ما أقام فينا الصلاة ؛ و فوق هذا أنا ما علمت أن أحدا منهما قد جهر بالكفر قولا ؛ ......فهذا هو ديننا وهذا هو شرعنا و إياكم أن تحيدوا عنه و تلطخوا أيدكم بدم لم تؤمروا بإراقته وستسألون عنه يوم القيامة  ، ... يا أولادي دعونا نفكر في حلول أخرى  لا نرفع فيها السيف إلا في وجه الأجنبي فقط .

طأطأ الشباب رؤوسهم ثم نظر بعضهم إلى بعض إلا سعيد الذي قام مغضبا فلحقه العياشي و عمي ادريس فمكثوا قليلا ثم عادوا .

ـــ أعتذر عن تصرفي هذا ولكنها غضبة لله عز وجل وغيرة على هذه المدينة. أنا معكم أقول ما تقولون وأنفذ ما تأمرون .

ـــ بورك فيك يا ولدي، فنحن نفخر بأمثالكم ، فأنتم شباب هذا الوطن وهذه المدينة، و لكن التعقل والرزانة مطلوبان في مثل هذه المواطن. 

  ـــ لو سمحتم لي ، أنا أرى أن أول خطوة ينبغي علينا القيام بها هي توعية الناس بواقع حالنا و تحذيرهم من مغبة التماهي مع البرتغاليين وإطلاعهم على مخططات العدو .

ـــ الرأي ما قاله سالم و أضيف إلى ذلك تكثير سواد الرافضين للتواجد البرتغالي.

ـــ و لكن كيف ؟  . استفسر مبارك وهو ينتظر الجواب في لهفة .

ـــ لدي فكرة في هذا الشأن، نحن نشتغل في حرف مختلفة و مجالات متباينة و هي مجالات خصبة لتوعية الناس بحكم العلاقات المتميزة التي لدينا معهم.

انفض الاجتماع باختيار مولاي المهدي هو المسئول عنهم و مرجعهم عند النازلة كما اتفقوا بعقد اجتماع آخر في نفس اليوم مع تغيير المكان و تقديم حصيلة الاشتغال طيلة الأسبوع.

لكن تسارع الأحداث لم يمهل المجموعة لتنفيذ مخططاتها و آمالها ذلك أنه بعد يومين من مقتل عبد الرحمن طفت على السطح أخبار مفادها أن أنصار عبد الرحمن ينوون قتل علي و يحيى . وأنهم قد يهجمون عليه في بيته في الليل أو في أي وقت. وزاد الطين بلة الموقف السلبي الذي أبداه الجانب البرتغالي إذ بقي متفرجا دون أن يميل لأي طرف . وبات من  قدر المدينة أن تعيش على إيقاع الخلافات والاضطرابات و الدسائس التي تحاك في الظلام . و بات من قدرها أيضا أنها لن تذوق طعما للسلام و لا الاستقرار بفعل الطموح والغيرة وحب الإنفراد بالسلطة من قبل القادة المتعاقبين عليها.

خلال هذه الفترة و بالضبط في سنة 1506 كان أحد القادة البرتغاليين يدعى جاك دو أزامبوخا  مكلفا بتشييد أحد الحصون الذي أطلق عليه كاستيلو ريال فيما بعد  . لقد كان هذا الضابط يحظى بكثير من التقدير من قبل العرش الملكي وقد سمح له نشاطه واجتهاده في خدمة بلده بالحصول على شعار النبالة وهو وسام برتغالي رفيع ثم عين فيما بعد مفتشا لسلاح المدفعية ثم عضوا في مجلس الحكومة. كان رجلا في الخامسة والسبعين من عمره ، اشتعل رأسه شيبا ومع ذلك بقيت حيويته متدفقة؛ كان ذو نظرة حادة تخفي وراءها أسرارا كثيرة وبحورا عميقة لا يعرف لها قرار .

و في هذه الفترة بالضبط التحق به بعض الأسرى المسيحيين الفارين من سجن آسفي ثم لحق بهم علي بن واشمان مستجيرا طالبا النجدة و المساعدة بأسرع ما يمكن و مبديا ولاءه للتاج البرتغالي أصالة عن نفسه ونيابة عن صديقه يحيى بن تاعفوفت وباقي أهل المدينة .

اهتبلها أزامبوخا فلم يكن ليضيع فرصة مثل هذه وهو المهووس بروح المغامرة و هو الذي خبر أدغال إفريقيا، لكنه كان ذكيا للغاية بحيث قدم نفسه للأهالي مفاوضا راغبا في حل المشاكل وتسوية الخلافات لا غير.

كان الوفد مكونا إثني عشر رجلا يتقدمهم هو و القادة لوب ساردينها و خوان دو ريغو و بيير بيزا و راي فرنانديز . ولأن الأخبار الواردة إلى المدينة قد سبقت وروجت لمقدم هذا القائد باعتباره منقذا و مصلحا بين الفرقاء فقد خصص له سكان المدينة استقبالا شعبيا حافلا أذهل القادمين أنفسهم ، فاستغلها ليظهر هالة كبرى حول شخصه متبخترا في مشيته حاملا خيزرانته في يده واضعا غصنا صغيرا من الريحان في فمه .

كان مكثه في المدينة ثمانية أيام أبان خلالها عن دهاء ودبلوماسية متميزين ، فاستطاع بعد مناقشات مطولة مع بيير مانديس رئيس الوكالة وكاتبه الخاص بيير بيسوا أن يحقق عدة مكاسب للرعايا البرتغاليين منها حصوله على دار بالقرب من البحر تكون سكنا و مقرا له إضافة إلى برجين يستعملهما التجار في حالة وقوع فوضى أو نزاعات بين الأهالي . لكن وصول خبر عاجل من قبل ابرهام بن زيميرو مفاده أن مجموعة من الأهالي تنوي اغتياله سرع  برحيله إلى لشبونة  . ذلك أن مجموعة مولاي المهدي لم تستسغ أن يقوم الأجنبي بدور المنقذ و هي التي تعرف ما وراء الأكمة ، فاعتبرت ذلك مذلة و إهانة  لذا قررت توجيه ضربة قاصمة للبرتغال و محذرة إياها أن تتمادى في مخططاتها الاستعمارية وحتى تحسب ألف حساب قبل الإقدام على أي تحرك . لكن المهمة لم يكتب لها النجاح بسبب الوشاية...... 

في لشبونة كان جاك دو أزامبوخا على موعد مع الملك لتقديم هذه الهدية فوق طبق من ذهب ، فقد حمل معه أربعة من أعيان المدينة بالإضافة إلى علي بن واشمان لتوقيع مزيد من معاهدات السلم والتبعية للتاج البرتغالي.غير أن الملك كان ينظر لآسفي نظرة مختلفة عن باقي المدن بالشمال التي تتقلب بين الحرب والسلم مع أهاليها. لقد كان لاختلاف قادتها حول أنفسهم و المنافع التي يمكن أن يجنيها من المدينة باعتبارها حاضرة عبدة و المناطق المحيطة بها و منفذا مهما يمكن الدخول منه  لمدينة مراكش دافعا كبيرا لتجهيز حملة عسكرية نحو آسفي في صيف 1507بقيادة كرسيا دي ميلو.

مرت الأيام سراعا بعد عودة الوفد المرافق لأزامبوخا دون فهم ما سيقدم عليه الملك عمانويل . لكن في صباح أحد اليام عقدت الدهشة لساني علي و يحيى وهما يريان السفن الحربية ترسو أمام الميناء فلم يعرفا بما يبرران به هذا الوضع خصوصا علي بن واشمان الموقع على اتفاقية صداقة وولاء لم يجف مدادها بعد . تجمهر الناس و تناقلوا الخبر بينهم و ارتجت المدينة على وقع المفاجأة مما حدا بالسي البشير و المجموعة في جمع من السكان التوجه رأسا إلى القائد علي مخاطبا إياه قائلا

ـــ أيها القائد ما هذا الذي نراه أمام مدينتنا ؟ هل بلغت بكم الجرأة أن تسلموا رقابنا للعلوج ؟ أليس منكم رجل رشيد ؟

ـــ مهلا يا إمام ؛... أيها الناس إني لا أعلم من هذا الأمر إلا ما تعلمون وإني تفاجأت مثلكم بهذه السفن الراسية أمامنا

ـــ إسمع أيها القائد إن كنت تريد أهلك فانحز إليهم فإننا لن نسلم مدينتنا إلا على جثثنا . ونحن على استعداد على أن نعفر ترابها بدمائنا رخيصة في سبيل عزتنا وكرامتنا.

اهتزت الساحة بالتكبير و زاد حماس الناس أكثر حينما تكلم علي خطيبا في الناس

ـــ أيها الناس ؛ سبق أن خاطبتكم بأننا رفضنا أن نعيش تحت سلطة الوطاسيين الضعيفة والمستبدة و رفضنا أن نعيش تحت الذل والهوان وفعلنا ما فعلنا حبا في الحرية والكرامة . واليوم قد رأيتم ما رأيناه جميعا من احتشاد للسفن الحربية البرتغالية ؛ فهل يعقل أن نرفض حكم إخواننا المسلمين و نعطيهم ظهورنا ونستقل عنهم وهم الأقرب إلينا و نحكم الأجنبي في رقابنا وأرزاقنا و خيراتنا ؟ هذا والله لن يكون فدافعوا عن مدينتكم وأنا ويحيى معكم .

رددت الساحة مجددا صدى التكبير المنبعث من حناجر الساكنة وتركت هذه الكلمات أثرا طيبا لديهم ولدى المجموعة على الخصوص وبات الجميع على أهبة الاستعداد ، و صار الناس يبيتون في السلاح ويصبحون فيه و كلهم عزم على ألا يدخلوها عليهم عنوة بينما توارى التجار البرتغاليين في البرجين السالفين الذكر .

لكن عيون الغدر كانت ساهرة ترقب كل صغيرة وكبيرة و يحزنها أي تقارب بين الفريقين أو أي انحياز للقادة إلى قضايا رعاياه ؛ فقد أرسل بن زميرو رسالة إلى كرسيا دي ميلو و أزامبوخا ملخصها ما يلي 

ـــ القائد أزامبوخا المبجل والقائد كارسيا  المعظم.... لا تراعوا يمكنكم تشتيت شملهم بخدعة ، و إليكم التفاصيل !

نزل القائدان المدينة على أنهما جاءا تفقدا لرعايا جلالة الملك عمانويل و أن السفن هي في طريقها إلى غينيا وأن قائد هذا الأسطول كارسيا أصيب بمرض وقد نزل بآسفي على سبيل الاستشفاء .  ونجحت الخدعة في تهدئة الناس و طمأنتهم إلى حسن نية الحملة !

تمارض الرجل وطلب أبراهام بن زميرو باعتباره طبيبا للإشراف عليه . فكانت الخطة تقتضي أن  يبعث كارسيا بعض الرسائل إلى القائدين علي و يحيى

ـــ إلى القائد العظيم علي بن واشمان إن جلالة الملك المعظم لينظر إليكم نظرة إجلال و إكبار للدور الذي تقومون به من أجل قيادة المدينة و الحفاظ على أمنها وعلى المصالح المشتركة بيننا ؛ و إذ يعبر لكم جلالته عن مدى حرصه على صداقتكم  فقد أمرنا أن نخبركم بأنه قد بلغ إلى علمه أن القائد يحيى بن تاعفوفت يخطط لاغتيالكم بدعم من قبل أنصار القائد السابق عبد الرحمن ؛ وإننا إذ نخبركم لتكونوا على حذر بالغ نؤكد لكم أننا على أتم الاستعداد لدعمكم .

انتهت الرسالة ولكنها فتحت بابا واسعا من المشاكل بين الرجلين . الرسالة الثانية كانت على منوال الأولى

ـــ عزيزي القائد العظيم يحيى بن تاعفوفت ؛ لقد تناهى إلينا الدور الذي قمتم به من أجل إخماد الفتنة التي أشعلها علي لدى وصولنا إلى شواطئ آسفي ؛ وإذ نقدر لكم هذه اليد البيضاء الممدودة نحونا فإننا نحب أن نحذركم من محاولة اغتيال سيقوم بها أحد المنافسين لكم ؛ وكما تقولون أنتم العرب بأن اللبيب بالإشارة يفهم ، كما نؤكد لكم دعمنا الكامل و وقوفنا بجانبكم فأنتم أهل لقيادة المدينة باقتدار و مسئولية .

 تمكن بن زميرو من إيصال هاتين الرسالتين فقد كان الرسول والمفاوض نيابة عن البرتغاليين في آن واحد . وتمكن في ظرف قياسي أن يفتح من جديد جراحا قد اندملت مند زمن ، كما كان لسطوة السلطة والمال نفوذهما القوي على قلبي الرجلين . و استطاع بن زميرو أن يخلق بين الرجلين فجوة كبيرة تمكن من خلالها من زرع بذور الريبة والشك تجاه بعضهما البعض . إذ كان كل منهما إذا وصلته الرسالة يشكر عواطف كارسيا نحوه ويطلب منه ألا يدع لصاحبه عليه سبيلا ، كما كان يطلب الحصول على التأييد والدعم ضد خصمه مقابل الموالاة التامة للتاج البرتغالي . و لإظهار حسن النية كان كل منهما يمد أبراهام بنقائص وأسرار تخص صاحبه فاستغل أزامبوخا هذا الخلاف فأمر بإنزال خمسين محاربا من البحر إلى البر و أسكنهم دورا كانت في ملكية القتيل عبد الرحمن .

سارع البرتغاليون إلى تحصين هذه المساكن وصاروا ينقلون إليها السلاح و العتاد في البراميل والصناديق المخصصة للسلع في سرية تامة حتى اكتمل لهم ما أرادوا . إذ ذاك تبين للقائدين أنهما كانا ضحية خدعة متقنة عضوا عليها الأنامل من الغيظ. فلم يكن بوسعهما فعل شيء أكثر من قطع المؤونة عن البرتغاليين.

**********

مر أسبوعان على الفاجعة و حادة لم يهدأ لها فما زال في جعبتها الكثير مما تقدمه من أحقاد دفينة لزهرة فقد حدث ذات مرة أن سألتها زهرة أمام أمها عن السر الذي دفع علي قتل أبيها

ـــ هذه حبيبتي هي ضريبة المحبين، العاشق الولهان لم يستسغ أن يرفضه أبوك فثار الدم في عروقه و لم يتمالك نفسه من الغضب فكان ما كان ..... و إليك المثال أمامك... انظري إلى أمك أليس عشقها لأبيك هو سبب معاناتها ؟ أليس كذلك سيدتي ؟

لم تستطع يامنة الإجابة أو أن ترد على ترهات حادة ، كانت  تومئ فقط لابنتها بألا تصدق ما تقوله هذه اللعينة لكن زهرة لم تفهم مراد أمها . مع الأيام ازدادت الأمور سوءا و تدهورت صحة يامنة أكثر فلم تعد تفتح عينيها إلا لماما  .  و في غفلة من زهرة و ضعف من الأم صارت حادة المتحكمة في المنزل ، تسير، تأمر وتنهي  ، تخرج إلى السوق و تتصرف كأنها صاحبة البيت ، فلا رقيب عليها و لا حسيب . استغلت حادة هذه الوضعية للاستيلاء على مجوهرات زهرة بحجة عدم وجود المال الكافي للإنفاق على البيت؛ إذ أقنعت الفتاة بضرورة بيع المجوهرات ريثما تنفرج الأزمة و يأتي علي لخطبتها بعد أن تزول الموانع . وبحكم الثقة العمياء التي تضعها هذه الأخيرة في حادة فإن الأمور سارت كما تحب وتشتهي و كما خططت لها الخادمة.

سارت الأيام رتيبة داخل البيت حتى جاء اليوم الذي تشجعت فيه أم هانئ و هي خادمة كبيرة في السن ولكنها امرأة ثقة بقيت وفية لأصحاب البيت بعد مقتل صاحبه ، بخلاف باقي الخادمات اللائي هربن من الخدمة. انتظرت أم هانئ خروج حادة للسوق، ترددت في بادئ الأمر ثم فاتحت زهرة بقولها

ـــ زهرة بنيتي هل لك في سر تكتمينه عني ؟

ـــ أجل يا دادة  تكلمي فأنا أذن صاغية

ـــ و لا تخبري أحدا ، وأن تصدقي ما سأقوله

ـــ تكلمي دادة فلست بمتهمة عندنا

ـــ إن حادة تستغل طيبوبتك وتوهمك بأن المال قد نضب و هي في الحقيقة تخدعك ، تريد الاستيلاء على مجوهراتك لا غير ، فقد رأيتها بأم عيني و هي تخبأ حليك في غرفتها . أما ما تجلبه من السوق فهو من متاجر أبيك رحمك الله ، لا تدفع مقابلا لذلك . و أن ما تدعيه بشأن علي فهو كذب و بهتان ، فالرجل لن يتقدم لخطبتك.

اندهشت زهرة مما قالته المرأة وعقدت الصدمة لسانها وهي التي كانت تخال أن أمر علي لا يعرفه أحد.

ـــ دادة هل أنت متأكدة مما تقولين ؟

ـــ كما أراك الآن أمامي و هذه هي مجوهراتك التي أخبرتك أنها باعتها للإنفاق على البيت.

قلبت زهرة المجوهرات بين يديها و تأكدت أن في الأمر خدعة

ـــ دادة أرجوك قولي لي كل ما تعرفينه ،.. عن حادة ،.. عن علي ......عن مقتل أبي و لم قتل ؟ عن أمي ... عن كل شيء ...لا تكتمي عني شيئا.

مكثت حادة طويلا في الخارج لكنها جاءت بنبأ لا يسر أحدا. لقد استولى البرتغاليون على دور القائد عبد الرحمن المتاخمة للبحر و أسكنوا فيها جنودهم، وأن أخبارا تروج بأنه ستتم مصادرة كل أملاك القتيل.

أذهل هذا الخبر زهرة و بدأت تفكر في مستقبل الأيام ماذا ستعمل ؟ وأين ستذهب ؟ و ما هو موقف علي مما سمعت ؟ و كيف ستتصرف مع حادة ؟ و ماذا عن أمها المريضة ؟ و لمن ستلجأ ؟ وأين أنصار أبيها؟  وهل سيغفرون لها ما فعلته مع علي ؟ 

 لم تجد زهرة بدا من البكاء الحار والطويل حتى أخافت أم هانئ و أدخلت الشك في نفس حادة بعدما نهرتها و طردتها حينما أرادت مواساتها. باتت تلك الليلة تتقلب في فراشها لم يغمض لها جفن وبدأت ضميرها يؤنبها بعد أن علمت أنها كانت ضحية إهمال الأم وخداع الخادمة و أنها كانت السبب في مقتل أبيها الذي أراد الانتقام لشرف ابنته ممن دنسه .

في صبيحة اليوم التالي أحست زهرة بصداع شديد و ألم في رقبتها فنادت على حادة لكن لا مجيب ثم نادت على أم هانئ

ـــ بنيتي لم أشأ أن أنغص عليك نومتك....... لقد هربت حادة تحت جنح الظلام .

 قفزت زهرة من فوق السرير و خرجت إلى صحن البيت و هي تنادي

ـــ حادة ....حادة ..... حادة......أين أنت أيتها اللعينة ؟ أين أنت ؟

ـــ لا تتعبي نفسك بنيتي؛ لقد تسللت في الظلام وهي تحمل شيئا أثقل كاهلها و لم تحمل شيئا من ملابسها .

ارتمت زهرة فوق أقرب أريكة منها ووضعت يديها فوق رأسها ثم انخرطت في البكاء، اقتربت أم هانئ فاحتضنتها و هي تقبل رأسها وتحاول أن تخفف عنها قليلا. بدت الأمور أكثر سوادا و أكثر ظلمة في وجه زهرة فلم تعد تدري ما تفعل و ما تقول.

ـــ أشيري علي دادة ، أشيري علي .

ـــ بنيتي لم تعد الدار آمنة، في غياب سيدي القائد رحمه الله و هروب الخدم وإذا صحت الأخبار سنصير عرضة للاعتداء و النهب بين الفينة والأخرى فلا مجير لنا إلا الله.... المدينة كلها لم تعد تنعم بالسلم و قد رأيت كيف استولى البرتغاليون على دور أبيك القريبة من البحر و سيستغل الفرصة أصحاب الدكاكين و رعاة الماشية للتنصل من واجباتهم ؛ ففكري يا ابنتي في ما ستفعلينه في قادم الأيام .

ـــ وأنت يا دادة ؟

ـــ و أنا معك يا ابنتي .. لا تخافي ، لكل مشكل حل و إن مع العسر يسرا ؛ فأنا لن أنس الأيام الجميلة التي قضيتها بصحبة للا يامنة ، فلست ناكرة للجميل .

ـــ و ما الحل يا دادة ؟

ـــ بنيتي يجب أن نغادر البيت الآن.

ـــ إلى أين ؟ وكيف و إذا رأونا ؟

ـــ بنيتي لقد كنت مقربة من سيدي عبد الرحمن رحمه الله،وكان يطلعني على بعض أسراره ، ألا تذكرين السرداب خلف شجرة الخروب ؟

كان عبد الرحمن يحتاط كثيرا و كان مما أنجز قيد حياته سردابا تحت الأرض يمتد من حديقة داره إلى بيت آخر له باب في زقاق آخر. وكان من عادته أن يرسل أم هانئ تدخل إليه وتخرج منه حتى يعتقد الناس أن البيت تسكنه امرأة و لا يشك في أمره أحد .كان بيتا صغيرا يتكون من غرفتين و مطبخ لكنه يفي بالغرض و كان عبد الرحمن يضع معظم ماله فيه . في الحديقة كان باب السرداب متوار خلف شجرة خروب ضخمة و كان يتعمد عدم تهذيبها و تشذيبها مخافة أن يطلع عليه أحد. حرصه الكبير دفعه ألا يطلع أحدا على هذا السرداب سوى أم هانئ و ابنته زهرة فقط  التي كان يحبها كثيرا ويؤثرها بكل ما تشتهيه .

أخبرت زهرة أمها بحقيقة الأمر ثم حملتها أم هانئ على ظهرها وهي تئن من مرضها و انتقلت بها عبر السرداب ؛ ثم عادتا لتحمل ما استطاعتا حمله من ملابس و مجوهرات وحاجيات يحتجنها في البيت الجديد .

قبل دخولهما السرداب سمعتا طرقا عنيفا على الباب وحناجر تغلي بكلام كثير غير مفهوم .

*********

عاد صالح ابن عمي إدريس من زاوية مول البركي في بلدة الشهيبة بعدما تخرج  منها حيث كان يتلقى العلم الشرعي هناك. عمت الفرحة أرجاء البيت فأطلقت صالحة زغرودة في ذلك الصباح الجميل . التف محمد ومريم حول أخيهما معانقينه و البهجة تعلو محياهما . كانت الفرحة عظيمة في بيت عمي إدريس الذي قرر من فرط سروره أن يشرك معه أصدقاءه الآخرين فطاف به حولهم ؛ فزار أولا السي البشير

ـــ باسم الله ما شاء الله لقد صار ولدك رجلا يا إدريس ؛ لكن للأسف لا أملك له عروسا .

ضحك الرجال ثم زار مولاي المهدي ثانيا الذي أهداه ثوبا ثم طاف به على سيدي احبيبي ثم  المدني والبحارة و غيرهم ، وكان مع هذه الزيارة يدعوهم لتناول وجبة الغذاء عنده في اليوم التالي شكرا لله و إكراما للذين شاركوه هذه الفرحة . كما بدأ البيت يعرف زيارات متتالية لنسوة المدينة مهنئات وعلى رأسهن أم الخير زوج المدني و سعادة زوج سيدي احبيبي . ابتسمت صالحة وقالت و هي تداعب سعادة .

ـــ ترى كيف حال العروسين ؟

ـــ بأحسن حال والحمد لله ؛ لقد حاولت جهد الإمكان أن أعوضه خيرا عن فاطمة لكن عشرة العمر الطويلة لا يمكن أن تمحى بين عشية وضحاها ولكني لمست فيه رغبة في تجاوز الأزمة و هو اليوم سيستأنف حلقته أمام المسجد كما هي العادة .

غصت الساحة مجددا حول سيدي أحبيبي وقد أخذ كل الناس مكانهم منصتين و عيونهم مركزة نحوه. كانت إشارة لبيبة من سيدي أحبيبي أن عرف بصالح في بداية الحصة وأثنى عليه وعلى أخلاقه و علمه ، فأحس عمي إدريس بالفخر يسري بين جنباته . استأسد سيدي أحبيبي كما هي العادة فأطلق العنان للكلام

ـــ  كما وعدتكم يا حاضرين  ،أن كلامنا اليوم سيكون عن أمير المرابطين ، يوسف بن تاشفين ، ذلكم يا سادتي أجمعين، لما أصيب عبد الله بن ياسين ، في معركته ضد البورغواطيين خطب قائلا

" يا معشر المرابطين إنكم في بلاد أعدائكم؛ وإني ميت في يومي هذا لا محالة؛ فإياكم أن تجبنوا أو تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم وكونوا ألفة وأعوانا على الحق وإخوانا في ذات الله تعالى؛ وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة؛ فإن الله يوتي ملكه من يشاء من خلقه ويستخلف في أرضه من أحب من عباده؛ ولقد ذهبت عنكم؛ فانظروا من تقدمونه منكم يقوم بأمركم ويقود جيوشكم ويغزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم ويأخذ زكاتكم وأعشاركم".

و بعد استشهاده ياحاضرين ، آل الأمر من بعده لأبي بكر بن عمر فأثخن في البورغواطيين الملاعين الذين حكموا بلاد تامسنا و دكالة وعبدة أجمعين .

وهذه أمـة هلكوا وضلُّــوا       وخابوا لاَ سُقوا ماءً معيناً

يقولون: النبي أبو غفــــي        فأخزى الله أم الكاذبينــتا

سيعلم أهل تامسنـــــا إذا ما       أتوا يوم القيامة مهيمنينا

هناك يونس وبنوا أبيـــــه         يقودون الكفار مهطعيـتـا

وبعد هذا الإنجاز الكبير، الذي حققه أبو بكر بن عمرالأمير، رجع إلى بلاد الصحراء لتسوية الأمور وجعل الخلافة  لابن عمه يوسف ابن تاشفين . ولكن يا حاضرين من هم المرابطين ؟

مرابطون أصلهم من حمير     قد بعدت أنسابهم عن مضـر

وإن صنهاج سليل حمـير       وهو ابنه لصلبه لا العنصـر

أكرم به من نسب صريح        فقـله لا تخفـه بالتصـريح

عدلهم وفضلهم مشهـور           ومجدهم وسعدهم مذكــور

 وكانوا يلقبون بالملثمين ياسادة

قوم لهم شرف العلا من حمير            و إذا انتموا صنهاجة فهمو

لما حووا أحراز كل فضيلة             غلب الحياء عليهم فتلثموا

 كان بن تاشفين يا سادة أمير فوق العادة أبى أن يلقب بأمير المومنين لأنه لا يجوز في شريعة رب العالمين ، أن يكون للمسلمين أميرين ، واحد في بغداد و الثاني من الملثمين ، فاكتفى لورعه وزهده بلقب أمير المسلمين ، حتى لا يشق عصا المؤمنين .

 وهكذا أصبح حكم المغرب يا حاضرين ، بيد يوسف بن تاشفين، كان أسمر اللون و معتدل القامة نحيف الجسم خفيف العارضين؛ رقيق الصوت أكحل العينين؛ أقنى الأنف له وفرة تبلغ شحمة الأذنين أجعد الشعر مقرون الحاجبين ؛ وكان رحمه الله بطلا نجداً شجاعاً حازماً مهاباً ضابطاً لملكه؛ متفقد الموالي من رعيته وحافظا لبلاده وثغوره؛ مواظباً على الجهاد؛ مؤيداً منصوراً؛ جواداً سخياً ورعاً عادلاً صالحاً أسدا جسورا؛ لم تغره الدنيا بغرورها ؛ أكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها؛

وحدث ما حدث في الأندلس من ضياع للأرض و إزهاق للأنفس ، فضجت الناس و العلماء ثم من بعدهم الأمراء يطلبون العون و يستنصرون بالاستجداء ؛ فأرسلوا وفدا مهيبا من الفضلاء لابن تاشفين أمير المسلمين الذي لبى النداء امتثالا لرب السماء في قوله المبين ‘‘ و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر‘‘ .

و في زحمة الأحداث التي يرويها سيدي أحبيبي وفق عشرة جنود وسط الحلقة و منعوا الرجل من إتمام حديثه و هددوه بالسجن إن عاد إلى الساحة مرة أخرى كما فرقوا جموع الناس الذين استنكروا هذا التصرف. انصرف سيدي أحبيبي إلى بيته مهموما مغموما من جراء ما عاناه وما كابده من قبل و من بعد  ، فقد فتحت هذه الحادثة جراحاته من جديد و هو الذي اعتقد أنه قد قطع مع الماضي و أحداثه.

كان من عادة سيدي أحبيبي كلما مر من أمام دكان ميمون الصائغ أن يزوره ويتبادل معه أطراف الحديث حول قضايا متعددة؛ غير أن هذه المرة لم يقم بما تعود فعله من قبل. نظر إليه ميمون و استغرب من تصرفه ثم التفت إلى أبراهام القابع عنده داخل الدكان.

ـــ لا أدري ماذا أصاب سيدي أحبيبي ، ...لم يلق التحية كما هي العادة؛...... ربما منعوه مرة أخرى.

ـــ كلما رأيت هذا الرجل تبادر إلى ذهني أني أعرفه من قبل أو سبق لي أن رأيته. ولكن أين ومتى؟ لا أعرف .... لكن لن يهدأ لي بال حتى أعرف سره .

ـــ دعك من الرجل و أخبرني كيف تغيرت قناعاتك ؟ بالأمس فررت من البرتغاليين ، واليوم أنت تواليهم و تعمل لحسابهم ألم يخرجوك من بلدك ؟ ألم يضطهدوك في عقيدتك ؟ و قلت ما قلت فيهم و أنت كاره لهم أم أن ما قلته كان زورا و كذبا ؟

ضحك بن زميرو ضحكة مصطنعة من قول ميمون ثم قال في لهجة لا تخلو من مكر .

ـــ عزيزي ميمون؛... لا تصدق كل ما يقال فلكل مقام مقال و لكل مقام حال، هناك في البرتغال كانت العقيدة أولا ثم المال ثانيا و الآن نحن في آسفي ، المال أولا و المال أخيرا.

ـــ والعقيدة ؟

ـــ عزيزي ميمون؛... لم تفهم مرادي جيدا .

ـــ إذن لو طلبوا منك الآن تغيير عقيدتك مقابل المال لفعلت !

ـــ لا عزيزي..... لن يطلبوا،.. الوضع تغير الآن كثيرا،.... البرتغال بحاجة كبيرة إلينا .

ـــ ولو على حساب أهل البلد ؟

ـــ عزيزي ميمون فكر جيدا، من استقدم البرتغال إلى المدينة أليسوا أهل البلد ؟ ومن تطاحن على السلطة ؟ ومن سفك الدماء من أجل الحكم ؟ أليسوا أهل البلد ؟ . إذا كان هذا هو حال أهل البلد فلماذا تريد مني أن أفعل أو أكون ؟ .

ـــ ولكنك قمت بأعمال قذرة لا تقرها لك العقيدة اليهودية ، خذلت بين القائدين يحيى وعلي وبلغت عن سيدي أحبيبي مرتين الأولى لدى القائد عبد الرحمن والأخرى لدى أزامبوخا و أشياء أخرى أنت أعلم بها .

ـــ ميمون عزيزي لا تكن قاسيا علي ، لقد طردوني من أرضي و مالي ،  و لما جئت إلى فاس حشروني في ملاح ضيق و متسخ ، فأصابنا من الجوع والمرض والحريق ما أصابنا ؛ ثم قدمت آسفي.... فهل من قدري أن أعيش هنا جائعا فقيرا تحت رحمة الأقوياء ؛ أليس من حقي أن أكون غنيا قويا مثل الآخرين ؟.

ـــ و لو بالخداع و الظلم ؟

ـــ نعم كما فعل الآخرون . أجل كما وصل من قبلي و تحكم من فوقي في رقاب الناس ، ولكن لكل طريقته ولكل أسلوبه و ليذهب الجميع إلى الجحيم إن كنت سأعيش معززا مكرما .

ـــ بدأت أشك فيك أبراهام ، ما ذنب الناس فيما جرى؟ ألم تعش بينهم كما تقول ؟ ألم يرحبوا بقدومك حين قدمت ؟ ألم يؤويك مولاي المهدي في دار من دوره بلا مقابل لحين من الزمن ؟.... والآن لما اشتد عودك وأصبحت من كبار التجار رميت الذين آووك بحجر في مقتل .

ـــ عزيزي ميمون ، سأقول لك خلاصة مهمة وبعدها سأنصرف فقد أكثرت علي ! أنا في سباق مع الزمن ؛ البرتغاليون لن يبقوا في آسفي إلى الأبد فقد تظهر دولة جديدة في المغرب وسيصلون يوما  إلى هنا . وأنا  لابد أن أستفيد من هذه الأوضاع ما دامت في صالحي . ولن أستفيد وحدي بل يهود المدينة كلها.

ـــ حتى يستفيدوا مما سبق !!

في هذه اللحظة مر الجنود البرتغاليين وهم يقتادون سيدي أحبيبي إلى القلعة و هو يسبهم ويلعنهم و زوجته تتبعهم وهي تبكي . نظر إليه بن زميرو وقال في خبث .

ـــ أرجو لك رحلة ممتعة إلى الجحيم !

 استطاع أبراهام بن زميرو بحكم الخدمات التي يقدمها للبرتغاليين أن يجد موطأ قدم له داخل أسرة التجار المتواجدين بالمدينة سواء الأجانب أو أصحاب الدار ؛ بل استطاع أن يحتكر بعض أنواع السلع كالأنسجة الصوفية من حنابل وبرانس و زرابي ، كما أمن لنفسه مصدرا نفيسا آخر يتعلق بحيازة و تجارة الصمغ الهندي الأحمر . كما تطورت علاقاته مع البرتغاليين فصار يمدهم بما يحتاجونه في أمور البناء و تجهيز الجيوش و غيره .

استرسل أزامبوخا في بناء هذه القلعة و استمر البناء يعلو شيئا فشيئا وبدأ يراسل الملك لمده بالصهاريج والجير ،  مبديا حاجته لمقالع الحجر والرجال المسلحين كما تضمنت رسائله طبيعة العمل و نوعية الأكل وغير ذلك  كي يلفت نظر الملك إلى حجم الصعوبات التي يعانيها . ولكي يتفادى كراهية الأهالي لعمله اعتمد التمويه والتدليس فكان يغطي النوافذ بالطين ويبلط الثقب و مرامي المدافع كما أمر بتبييض القلعة من الخارج . و مضى في تثبيت أسس قاعدته العسكرية في سرية تامة كي لا ينكشف أمره ذلك أن الاتفاق الذي وقعه مع علي يقضي ببناء دار للتجارة تفي بحاجيات التجار البرتغاليين ، تحتوي على بيوت ومخازن تكون كافية لهم لحفظ سلعهم و وحصنا أمينا في حالة وقوع قلاقل داخل المدينة.

 ولما بلغ البناء علوا معتبرا جعل له أزامبوخا بابا صغيرا إلى البحر استطاع أن يدخل منه ليلا مائتي جندي كان الملك قد أرسلهم في يناير 1508 على متن أربع سفن بقيادة كونزالف مونديس مع وفد مهم مكون من لوب بريغا و هكتور غونسلف ونينو غاو .

استمر أزامبوخا في حملته للتمكين للبرتغاليين بالمدينة مستعملا الخداع والحيلة تارة ومطالبة القادة بالوفاء بالتعهدات والاتفاقيات تارة أخرى . فكم مرة تم استدعاء القائدين يحيى وعلي وتذكيرهما بدورهما في إخماد الفتنة وغضب الساكنة فكانا يتملصان من المسئولية بحجة وجود قائدين في المدينة .

. و حتى يتمكن من تجاوز هذه الإزدواجية طلب من القائدين أن يتنازل أحدهما للآخر حتى تكون المسئولية محددة في شخص واحد و حتى ينزع منهما الذريعة التي كانوا يتملصون بها من المسائلة . تحت الضغط تنازل علي بن واشمان ليحيى عن حكم المدينة، و أصبح يحيى هو الحاكم بأمر عمانويل . بيد أن القائد الجديد تضايق كثيرا من تصرفات أزامبوخا و تجاوزاته المتكررة فصار يحرض السكان على منع التعامل معه وعدم مده بمواد البناء . و لأن النفوس لا زالت متعلقة بالكرسي والقيادة فقد فطن أزامبوخا من جديد إلى إذكاء هذه النقيصة  فاتصل بعلي و أقنعه بضرورة التخلص من يحيى وتنصيبه حاكما بدلا عنه . فما كان من هذه الأخير إلا أن رحب بالفكرة ما دامت تلبي طموحه. سرى هذا الخبر سريان النار في الهشيم بين قادة الجيش حتى وصل إلى مسامع يحيى

كان يحيى يدرك أن عليا لن تعوزه المسوغات لقتله و هو الذي قتل من قبل القائد عبد الرحمن دون أن يؤثر ذلك على وضعه في شيء داخل المدينة. فلن يقف أي شيء في طريقه من أجل الكرسي و مغريات السلطة. ففر هاربا مستجيرا بحفيد أزامبوخا جاك دو ميراندا الذي استأمنه على نفسه و أبقاه في بيت عبد الرحمن لمدة ثمانية أيام متواريا عن الأنظار حتى تم ترحيله  إلى البرتغال حيث بدأ يكسب ثقة الملك . 

في لشبونة كان على يحيى أن يبذل قصارى جهده ليقنع الملك وحاشيته بأهمية الاعتماد عليه في بادية آسفي ؛ كما كان عليه أن يبرر رفضه لبناء القلعة العسكرية و منع الإمدادات عن البنائين من أحجار وجير و مؤونة . لم تكن تبريراته مقنعة بالنسبة للملك لكن الأخير رأى فيه قائدا مستقبليا على البادية ، فأحوال البدو ليست هي أحوال الحضر. فرأى أن يبقيه إلى جانبه ما يكفي من الوقت للترويض والتدريب بالشكل المطلوب .

سار بن واشمان على نهج سلفه في تضييق الخناق على بناء القلعة فقد توعد المتعاملين مع البرتغاليين بأشد العقوبات ؛ غير أنه لم يضع بين عينيه تغيير ميزان القوى لصالح المحتل . ففي لقاء جمعهما غضب أزامبوخا و قال موبخا له وبلهجة تقريعية

ـــ أنت لم تتصرف تصرفا يليق بالفرسان إزاء القادة والرعايا البرتغاليين و فوق هذا تعارض و تماطل في بناء الدار، وهذا إخلال بالمعاهدات والاتفاقيات المبرمة بيننا.......كنت مخطئا ، أنت لست قائدا و ليست فيك صفات القائد بالمرة .

ـــ لا أدري كيف تجرؤ على هذا الكلام ؟ وأنتم لا تملكون ما تقتاتون به إلا إذا وفرت لكم ذلك.... بل و حتى العلف لدوابكم !.

ـــ عزيزي علي ؛ أنت مخطئ بل مغفل .عندما نفقد كل شيء لنا هنا سأروي عطش أصحابي من دماء العرب و سأطعمهم أفخاذ أهلك و ذويك !

عض علي على أصبعه و أحس بالإهانة كما أحس بدم ساخن يجري في عروقه لكنه كظم غيظه منتظرا ما ستسفر عنه الأيام القادمة . فهم أزامبوخا هذه الإشارة من علي فقرر أن يكون هو صاحب المبادرة مادام الدعم من الملك قد وصل وما دام البناء قد بلغ من العلو ما يكفي للتصرف بحرية .

لم يدم انتظار أزامبوخا طويلا فقد حدث أن تشاجر أحد أعوانه مع الجزارين بسوق المدينة فما كان من الجزار إلا أن صفع البرتغالي .اشتبك الرجلان فأخرج البرتغالي سكينا فطعن به المغربي طعنة أردته قتيلا . هاجت الناس وماجت إثر هذا الحادث الأليم وسرعان ما اجتمع منهم جمهور غفير برماحهم وسيوفهم و بعض البنادق فحاصروا البرتغاليين  . استمر حصارهم طيلة اليوم فتبادلوا بعض الطلقات و المناوشات حتى أظلم الليل . ولما لم يستطيعوا اقتحام القلعة ذهبوا يبحثون عن مدافع قديمة في القصبة جعلوا يرمون بها البرتغاليين. في صبيحة اليوم التالي وبعد انتهاء المحتلين من قداسهم هجموا هجوما عنيفا على السكان الذين لم يكونوا منظمين فساقوهم حتى وصلوا أمام المسجد وهناك فتكوا بهم. فسقط العديد من القتلى والشهداء أبرزهم سالم صديق المجموعة بينما أصيب مبارك والمدني بجروح طفيفة ولم يتكبد البرتغاليون سوى بعض الخسائر في الأرواح والعتاد من جراء مدفع قديم استخدم من أعلى القصبة لكنه سرعان ما أصابته طلقة مدفعية جعلته غير صالح للاستخدام بالمرة .

انهزم الناس وفروا في كل اتجاه و لما رأوا أنه سقط في أيديهم و أن دفاعاتهم غير مجدية جاء الأعيان و أصحاب المصالح يعلنون ولائهم واستسلامهم للعرش البرتغالي يتقدمهم عبد الله بن جطو و أصدقاءه الأربع . في حين فضل الباقي مغادرة المدينة أنفة منهم حتى لا يعطوا الدنية للمسيحيين وهم خاضعون . كانت منظرا كئيبا أن ترى جموع الناس ، الرجال و النساء والأطفال ينسحبون من المدينة مع بعض العائلات اليهودية كعائلة ميمون الصائغ .

سارت الناس صفوفا و جماعات متفرقة  ، منهم من اتخذ وجهة جبل بني ماكر كسعيد بينما هاجر عمي إدريس و عائلته إلى مدينة الغربية حيث أخواله هناك  ، وآخرون اختاروا منطقة الشياظمة كمبارك و صهره السي البشير و عائلتيهما وعائلة المدني فيما حط علي وعائلته ونفر من أصدقاءه رحالهم بمدينة تاركة قرب أزمور . غير أن آخرين فضلوا المكوث بالمدينة لأسباب متعددة منهم مولاي المهدي الذي كان له رأي آخر غير رأي المجموعة .

ـــ يا إمام ....هذا خطأ كبير. أن نترك المدينة لقمة سائغة في يد المحتل ، لا بد أن نبق فيها لندافع عنها .

ـــ بماذا ندافع ؟ و كيف ندافع ؟ وهل سيتركوننا ننظم صفوفنا ؟ هذا أمر مستبعد؛ يجب أن نغادر لنشحذ الهمم ونقوي العزائم و نجمع الجيوش، آنذاك يمكننا أن نتحدث عن الدفاع عن المدينة أما الآن فلا يمكن.

كانت هذه الأحداث بردا وسلاما على زهرة وأمها و الخادمة أم هانئ اللائي اخترن أن يتعقبوا الطريق التي سلكها السي البشير فهو أهل ثقة ولن يتعرف عليهن أحد في منطقة بعيدة عن موطن آل فرحون . أركبوا يامنة ظهر دابة عجفاء  فسارت بجانبها ابنتها فيما كانت أم هانئ تسوق الدابة الأخرى التي تحمل أثقالهن أو ما تبقى منها . كانت صورة مروعة ومختزلة لتقلبات الدنيا و زينتها ؛ صورة امرأة كانت تأمر فتطاع و تنهي فيسمع لها ، تحولت إلى شبح هزيل لا ينطق البتة ، خائف من غدر المقربين و من ضبابية القادم من الأيام . كانت تلك يامنة في أوضح صورة للدنيا .

لم تتعقب السلطات البرتغالية الفارين من المدينة لأن عقيدتهم العسكرية كانت تقول إذا فر من أمامك العدو فاجعل له قنطرة من فضة يمر عليها . لكنها اهتمت بتسلم مفاتيح القصبة والأبواب من يد الأعيان وبرفع الأعلام البرتغالية فوق أسوار المدينة . فصارت نسمات المحيط الأطلسي  تدغدغها وكان أزامبوخا من فرط زهوه ينظر إليها في عنفوان وشموخ .

 

 

الفصل الثاني

 

ما وراء الباب

كانت المدينة كئيبة وهي تودع فلذات كبدها. كانت الأزقة فارغة إلا من الكلاب الضالة و الخائفة من غدر الإنسان. دور احترقت بالكامل أو نزعت منها الأبواب والنوافذ لأن أهلها أبوا أن يتركوها غنيمة للمحتل. لكن لا أحد كان يتصور أن يرى المسجد الأعظم و قد صودرت أبوابه و حرقت أجزاء منه و أتلفت محتوياته من حصائر و زرابي و غيرها ، حتى المنبر لم يسلم من أذى المسيحيين .

ازداد الوضع الأمني انفلاتا ، ولم يستطع أزامبوخا كبح جماح رجاله . و لعله كان حريصا على أن ترتكب هذه الأعمال نكاية بأهل المدينة الذين قاوموه في البداية . كانت أعمالا تتعلق بالعبث بشرف نساء أهل المدينة ممن لا حول لهم ولا قوة على النزوح خارجا . كما امتدت أياديهم إلى أحباس المدينة من دور و حوانيت و ضيعات خارج السور.فأصبحت آسفي مدينة أشباح ، حتى الذين اختاروا البقاء أغلقوا عليهم أبواب منازلهم خوفا من مداهمات المحتل . و بات الأعيان وأصحاب المصالح عاجزين عن فعل أي شيء إذ بقوا حائرين بين ما يرونه أمام أعينهم من مظالم وهم الذين كانوا يدافعون عن التواجد البرتغالي وبين ما يطمحون إليه من أرباح مادية و امتيازات .

كان أزامبوخا يدرك ما ستخلفه هذه الأحداث في نفوس الناس والموالين لهم داخل المدينة ، فعمد إلى خطة ذكية يبهر بها ضعاف النفوس و يضعف من بقي في نفسه شيء تجاه المحتلين . كانت الخطة تقتضي القيام باستعراض عسكري  مصحوبا بحفل التنصيب لمجموعته التي ستحكم المدينة لا حقا. و هكذا فقد تم تنصيب مجموعة من الأسماء المعروفة في تاريخ الإستعمار البرتغالي كلوب بريغا و فرانسوا دالميدا وسيمون دو سيلفا وغيرهم . استمرت المراسيم لبعض الوقت واستعملت فيها الموسيقى و مظاهر الزينة من لباس و نياشين وأوسمة عسكرية .

غير أن هذه البهرجة لم تدم طويلا إذ وقع خصام بين أزامبوخا وغارسيا دي ميلو بشأن تنظيم المدينة والأسلوب الأمثل لذلك . استمر الخصام أياما و طفت تجلياته على السطح فلم يتقبل غارسيا طريقة تصرف أزامبوخا فقرر مغادرة المدينة والتوجه رأسا إلى البرتغال وبالطبع كانت أولى أعماله هي دق أول مسمار في نعش أزامبوخا بغية إسقاطه .

في هذا الوقت بالذات كانت أسهم يحيى بن تاعفوفت تزداد ارتفاعا بدعم من الملك الذي عينه حاكما على بادية عبدة والغربية ، ينعم بخمس الغنائم ويفصل بين المنازعات مراعيا أعراف وتقاليد القبائل . ومن الامتيازات التي كان يحظى بها أيضا تعيين القواد دون الرجوع إلى الملك ناهيك عن مظاهر الأبهة . فكان يسير في موكب من مائة فارس على أن تقرع له الطبول و ترفع له الأعلام الملكية لدى استقباله داخل آسفي أو في قلعته أكوز / الصويرية

أفرغت المدينة من ساكنيها إلا النزر القليل الذي بقي مرابضا إما طمعا أو ضعفا أو خوفا من المجهول خارج السور خصوصا بعد صدور فتوى العلماء والتي تدعو سكان آسفي إلى النزوح عنها و مغادرتها باعتبارها دار حرب ، و تبرئ بالقابل ساحة المجاهدين من دم من تقاعس عن الخروج لسبب من الأسباب .

 أمام هذه الفتوى لم يكن أمام مولاي المهدي إلا جمع أغراضه مغادرة المدينة . لكن أعين السوء كانت بالمرصاد لشخص مثله .

ـــ إلى أين عزيزي المهدي ؟ أراك مستعجلا و تستعد للرحيل .

ـــ و ما يهمك من أمري يا أبراهام ؟ أنا حر في تصرفاتي

ـــ لا عزيزي ، لم تعد حرا بعد اليوم !...لا بد من أخذ الإذن من القائد أزامبوخا ، الحاكم الجديد ألا تذكره ؟!

لم يسمح لمولاي المهدي بالخروج من المدينة فقد أصبحت أبوابها مراقبة من قبل العسكر البرتغالي و من التحق بهم من المرتزقة . كما تم التضييق عليه في تجارته فصاروا يصادرون له بعض السلع بمبررات واهية و حجج تافهة . وإذا اشتكى يذكرونه بمحاولته الفرار من المدينة دون أن يسجن أو يعتقل وهذه منة للحاكم عليه يجب أن يقدرها و يشكره عليها !.

 حط مبارك و صهره السي البشير الرحال ببادية الشياظمة قرب جبل الحديد ومعهم  عدد كبير من النازحين من آسفي يقدر بمئات من السكان بينما فضل الباقي مواصلة السير إلى حاحا و شيشاوة . فكان عليهما أن يبدءا حياتهما من جديد . توجد بادية مبارك  بمنطقة يسكنها شرفاء رجراجة . تتميز بكثرة الغابات والعيون ، يهتم أهلها باستخراج زيت الأركان و تربية النحل . أهلها طيبون وكرماء إلى حد بعيد . لم يتضايق أحد من الوافدين الجدد بل ساعدوهم في تكافل فريد لبناء خيامهم بل قدموا لهم المؤونة ريثما تستقر أوضاعهم .

كان المحجوب ؛ شيخ القبيلة ؛ رجلا محببا لدى عامة السكان ،فهو رجل ورع تقي له نفوذ واسع وثروة كبيرة . لم يبخل يوما عن النازحين بالأكل والشرب و من ماله الخاص حتى استقرت معظم الأسر و وجدت ما تتكسب به في هذه الديار . كانت الخيارات متعددة أمام الشيخ المحجوب فالأراضي الغير مزروعة كثيرة و الغابات مليئة بالطرائد وخلايا النحل و بإمكان المهاجرين أن يشمروا عن سواعدهم ويبدؤوا حياتهم من جديد . كما كان الشيخ يدرك أن إضافة أناس جدد يعني إضافة قوة في بنية القبيلة في وقت غابت فيه السلطة المركزية و عمت الفوضى والسيبة بين القبائل.

في بيدر الدوار أخذت النسوة الثلاث خيمة بالقرب من بيت الشيخ  على أمل أن يجدن مكانا أكثر استقرارا وأمنا من لهيب الحر و قرصة البرد . داخل الخيمة كانت صحة يامنة تزداد سوءا وكان سعالها يسمع من مكان بعيد ، سعال جاف وحاد يقلق من جاورها و يتعب ابنتها التي لم تستطع أن تثنيها للعدول عن فكرة الامتناع عن الأكل اعتقادا منها أنها تكفر عن أخطائها . حادة هي الأخرى حطت الرحال معهم وهي لا تدري أن يامنة وزهرة قد نزلتا معها نفس المنزل ، إذ اتخذت خيمة صغيرة على أطراف القرية أعطاها إياها الشيخ المحجوب .

بينما واصل المدني طريقه إلى بيت أبيه الذي لا يبعد كثيرا عن جبل الحديد . كان البيت ساكنا حتى من نباح الكلاب. دفع الباب الخارجي ودخل ، لم يتغير أي شيء في بنية المنزل.الحظيرة فارغة اللهم إلا بعض العنزات الهزيلات والمنزويات في ركن منها . وفجأة سمع أنينا و سعالا خافتا في إحدى الحجرات. كانت دهشة المدني كبيرة حينما وجد رجلا مسجى في وسط البيت نحيف الجسم هزيلا . إنه بو شعيب أب المدني .

ـــ أبي أبي ...أنا ابنك المدني أنا عدت يا أبي... أنا عدت

بدأ الرجل يبكي بكاء حارا متهدجا وهو يعانق إبنه

ـــ المدني ؟ .......المدني ؟

ـــ نعم أنا المدني ....لقد عدت يا أبي .... لقد عدت...

ـــ سامحني يا بني لقد أخطئت في حقك .... سامحني يا بني ...

ـــ لا تتعب نفسك يا أبي فأنت مريض و لا يليق بك أن تجهد نفسك .

بدأ بو شعيب يتعافى مع مرور الأيام ، حيث لعبت أم الخير دورا هاما في تطبيبه وإطعامه فقد كان يعاني من نقص في التغدية و وحدة قاسية ، استطاع المدني أن يسبر أغوار أبيه و يقترح عليه الزواج مرة أخرى . رفض الأب الاقتراح لكن ملامح وجهه أبانت عن رغبة ملحة خصوصا و أنه لا يزال قوي البنية و لم يتجاوز عقده السادس. تحسنت حالة  بو شعيب النفسية وبدأ يهتم بمظهره و عادت إليه الابتسامة من جديد . فهمت أم الخير الرسالة و أبلغتها لزوجها الذي تحمس للموضوع وهو مطمئن أن سيناريو الأحداث الماضية لن يتكرر.

في مدينة الغربية كان عمي إدريس قد استقر به المقام رفقة زوجته و أبناءه عند أخواله. هي مدينة صغيرة على تخوم نهر أم الربيع أهلها أغنياء وكرماء للغاية ؛ من عادتهم إكرام الضيوف والمارين بالمدينة وقد أسسوا دارا كبيرة لهذا الغرض وكانت جميع مصاريف الاستضافة على حسابهم . لم يجد عمي إدريس عناء في تدبير حاله وحال عياله ؛ فأخواله من أغنياء البلد مما خول له فتح دكان للتجارة هناك بينما أصبح إبنه البكر إماما و خطيبا في أحد المساجد .

*********

أفرغت المدينة من سكانها إلا ممن ليست لهم همة أو الضعفاء والعجائز ومن ليس له أهل و أصحاب المصالح ؛ فصارت المدينة مدينة أشباح . خربت الدور و هجرت المساجد و لم تعد تصلح لشيء ؛ هذه الوضعية أربكت القائد أزامبوخا و أرقته كثيرا، فما معنى أن تكون قائدا على الخراب ؟.

كان لزاما على القائد أزامبوخا أن يراسل الملك ليجد حلا . وكان على الحل يأتي من البرتغال في شكل بعثات من اليهود الذين بقوا هنالك مفضلين أن يذعنوا و يستجيبوا لشروط ملكها عمانويل . ففضلوا الارتداد عن دينهم والقبول باعتناق النصرانية إما حقيقة أو تضليلا للبرتغاليين ، حتى يبقوا بأوطانهم ويحافظوا على ممتلكاتهم و أموالهم ، وحتى لا يجردوا من أطفالهم . كان حلا مرضيا للطرفين ، تهجير لليهود المرانوس ــ و هو لقب أطلق عليهم و يعني بلغة القوم الخنازير تحقيرا لهم و سخرية منهم ــ و خدمتهم في آسفي مقابل حمل أموالهم و أولادهم .

توافد على المدينة العديد من اليهود في بعثات متتالية عبر البحر. فكانت جميع الحرف ممثلة في هذه الجموع من حرفيين وصناع و مترجمين و غيرهم حتى تغطي جميع احتياجات المدينة الجديدة !.

مع هذه التغييرات الحادثة في التركيبة البشرية للمدينة كان من المنطقي أن تكون لدى ممن تبقى من الساكنة مشاعر معادية للبرتغاليين و اليهود على حد سواء الذين ظلوا يمثلون في أعينهم غزاة محتلين . وكان من الطبيعي أن تتولد احتكاكات هنا وهناك بين الطرفين بل تمادى ازامبوخا و أعوانه في استفزاز مشاعر السكان إلى حد إهانتهم أحيانا .

 استفزت هذه التصرفات أصحاب المصالح و الموالين للبرتغاليين ، خصوصا عبد الله بن جطو و مسعود وهس و منصور بن سعد الله و أحمد بن حدو  وعلي بورحيس ودفعتهم إلى مراسلة الملك عمانويل سرا و خفية عن أنظار أزامبوخا للمطالبة بتغيير الأوضاع . و بلغة ركيكة بدأ منصور بن سعد الله يخط الكلمات الأولى وهم مجتمعون في بيت عبد الله بن جطو.

ـــ ضيفنا ومولانا السلطان عمانويل حفظه الله ؛ خدامك بل عبيدك  ! الساكنين تحت علامك وطاعة الله وطاعتك في بلدتك ، بلدة آسفي . هم يسلمون عليك و يقبلون يديك و الأرض تحت قدميك ! ......

ـــ اكتب يا منصور؛ ... نحن ما كرهنا عبد الرحمن إلا في حق الذي عصاك ولم يدخل في طاعتك و لا رحنا حتى قتلناه ، و قلنا خرجنا من العذاب و دخلنا في الجنة ، إنما دخلنا تحت طاعتك فانصرفنا يا مولانا في الوقت والحين لعاملك أزامبوخا وأدخلناه في دارك و خرج للقائه كل من كان في آسفي و تقبلناه بأحسن القبول كل ذلك يا مولانا محبة فيك !

ـــ أحسنت يا مسعود،.... أخبره يا مسعود ، أخبره عما حدث مع الرجلين البرتغاليين

ـــ أجل ... يا مولانا كانوا زوج من رجالك ساكنان في خربة من الخراب في الخلاء في ناحية أسفي قبالة الفساد و الزنا بالمسلمات فدخلوا عليهم بعض رجال دكالة في الليل و قتلوهما فأصبحوا موتى فلما رأى عاملك أزامبوخا ذلك لم يتربص حتى يعرف من فعل ذلك الفعلة فأطلق رجالك على البلد و قتلوا منا ستة أو سبعة رجال والمجروحين الكثير منهم .....

ـــ وأكلوا كثير من الديار و خلعوا النساء والأولاد حتى النساء بالبنين والبنات فلما كان الليل مولانا عشية النهار أتاه الخبر ... فلم يعاقب يا مولانا أحد من رجاله على ما فعلوا فهذا يا مولانا غدرة أخرى ...

ـــ هذا الشيء كثير ولا يمكن الصبر عليه ... ولكن لا يعرف أحد أننا أرسلنا هذه الرسالة

ـــ إذا عرف أزامبوخا سيعلقنا على باب الشعبة .

ـــ تابع يا منصور ، اكتب ....وأول من اشتغل بهدم الديار فلما رأت المسلمين ذلك يا مولانا آيسوا من أسفي و أيقنوا بالخروج منه و كذلك الذين خرجوا آيسوا الرجوع إليه و اشتغل كل واحد من المسلمين بهدم داره و حرق خشبها و اشتغلوا النصارى بهدم جوامعنا و سرق حصورهم و دفافهم فهدموا لنا جامع بالقبور و لم يبقى فيه حيط واقف و كذلك زاوية لنا يقال لها زاوية سيدي بوعلي و جامعنا الكبير الأعظم سرقوا حصوره و هدموا منه و يبولون فيه و يغيطون . و صومعة جامعنا الأعظم الذي هو مشهر ديننا ترى رجالك فيها أيضا يبولون و يغيطون و جامع آخر لنا بباب الشعبة أخذه عاملك أزمبوخا مع زوج ابيار من الماء هنالك للعامة قطع عليهم بحايط و ادخلهم في جنان هنالك و اخذ الجنان لنفسه . و كذلك جامع لنا بباب البحر مشت حصوره و دفافه و جامع لنا بناحية أورير مشت حصوره و دفافه ايضا و غير هؤلاء مما لا نصف لك .

ـــ و نحن ، اكتب يا منصور.......

تلكأ منصور في الكتابة ينتظر ما سيقوله مسعود

ـــ لماذا تكتب لمسعود فقط ؟ ؛ اكتب ما سأقول ؛ ونحن كتبنا لك يا مولاي هاذا الكتاب و أعلمناك بجميع ما جرى علينا فيه وأنت يا مولانا إذا تحب آسفي للعافية والفايدة والمنفعة آمر بنزول رجالك من صمعتنا الذي هي عصمة ديننا . لين حد ما كانوا فيها رجالك ما يدخل واحد المسلم يسكن في آسفي من الذين خرجوا منه ولا من غيرهم . كل من هو مسلم يهرب ومن ذلك يجفل و أما نحن يا مولانا ما نحن عند المسلمين إلا نصارى......

ـــ هاذا كلام معقول اللي قال علي ؛.. و الثانية يا مولانا تامر ان لا يطلع مسلم من أسفي لا حر ولا عبد و الذين فيه أسارى ينطلقون و ترسل رجلا يكون قنطرة بين المسلمين و النصارى و يأخذ العافية مع العربان و تحرث العربان على البلاد و تخزن فيه و يرجعون اهلن أسفي و تعمر البلاد و يكون البيع و الشراء و تستفيد منها و تدخل عليك المنفعة منها و إذا ما علمت هاذا يا مولانا و لو تنفق على أسفي مال الدنيا ما تصلحه و لا تحرث العرب عليه و لا تخزن فيه و اذا ما كان عليه الحرث و الخزين ما يسكن واحد من المسلمين فيه .

ـــ هاذه هو الكلام الصحيح؛ ختم عليه أ مسعود

ـــ يصل ؛ اكتب أ منصور ؛ يصل الكتاب بحول الله وقوته إلى يد مولانا السلطان ضون منوال حفظه الله ؛ عبد الله بن جطو ، مسعود وهس ، منصور بن سعد الله ، أحمد بن حدو ،علي بورحيس.

ـــ لكن كيف نوصل الكتاب لمولانا الملك ؟ تسائل علي بورحيس

ـــ أنا أعرف تاجر البرتغال يوصله لمستشار الملك ويوصله للملك.

انفض الجمع خفية حتى لا تراهم أعين أزامبوخا ، الذي تساقطت المصاعب على رأسه تباعا فقد وصلت الملك رسالة أخرى تشير إلى أن صناعة الشمع التي كانت مزدهرة ؛ أصبحت لا تعطي إلا قليلا جدا من الربح للخزينة وكذا سوق الحبوب الذي أصبحت مداخيله ضعيفة لا تكفي لأجرة المأمور المكلف بمداخيل السوق و أن الفقراء يموتون في أزقة المدينة . والرسالة بالطبع تحمل المسؤولية للسلطة الحاكمة.

بدا أزامبوخا عاجزا عن كبح جماح جنوده إزاء هذه الفضائح التي تقع داخل المدينة كما تقاطرت على الملك رسائل أخرى أهمها رسالة داوود لوبيز تبين حدة الشكوى المؤلمة من قبل المسيحيين أنفسهم تجاه أزامبوخا  الذي بدا منزعجا من قرار الملك بإحالته على التقاعد واستبداله بآخر فعلق ساخرا

ـــ كيف وجدني شابا حينما تعلق الأمر بغزو المدينة والآن وجدني شيخا عاجزا عن الحفاظ له بها ؛.... صدق من قال  إن الملك عقيم .....     

غير أن هذا التعليق لم يكن ليغير من الواقع شيء فقد رست أمام ميناء آسفي ثلاثون سفينة شراعية محملة بالسلاح والعتاد والجند يقودها الحاكم الجديد للمدينة نونيو فرنانديس دي أتايد . كان هذا القائد ينتمي إلى أسرة نبيلة بلشبونة ، كان داهية نشيطا دائب الحركة لا يهدأ له بال ، ومع ذلك فقد واجه صعوبات جمة تمثلت أولاها في ضرورة إعادة الهدوء إلى المدينة والثقة في نفوس أهاليها خصوصا المغاربة الموالين منهم للبرتغال . ثاني هذه الصعوبات تمثل في الأنباء الواردة تباعا من المناطق المحيطة بآسفي ومن مناطق دكالة والشياظمة .  وهي أخبار تتحدث عن غليان يسري بين القبائل وتجمع للمحاربين من أجل تحرير المدينة من أيدي البرتغاليين

بدأت أولى خطواته بإدخال إصلاحات على المستوى التنظيمي مع بعض التعديلات على مستوى كبار الموظفين مبقيا لوبيز بريغا في مهامه مع تعيين إتيان دو أغير غونزو مديرا جديدا للوكالة التجارية ، ثم القيام حملة قادها لويس دو لوريرو للتوغل داخل البلاد إظهارا لقوة البرتغاليين ، والتي تكللت بالنجاح فغنم نونيو و أسر ما يقارب مائة رجل .  

***********

عاد الشيخ محمد أبو عبد الله القائم بأمر الله من أرض الحجاز وهو يحمل أخبارا يروج لها بقوة و بحماس شديدين . فقد رأى في المنام رؤيا مفادها أن أسدين خرجا من إحليله فتبعهما الناس إلى أن دخلا صومعة ووقف هو ببابها . و لما قص هذه الرؤيا على أحد الصالحين بالمدينة المنورة أولها له بأن إبنيه سيكون لهما شأن وسيملكان الناس . فكان  يصدع بدعواه في كل محفل من غير تردد ثقة برؤياه و بالرجل الصالح .

و كان من جملة الأسباب التي حركت همة هذا الرجل هو استحكام شوكة البرتغال بالجنوب المغربي واحتلالهم لثغوره في غياب سلطة مركزية أو قيادة تجتمع حولها الأمة بعدما ضعفت شوكة الوطاسيين وانفراط عقدهم . كما أن تسارع الأحداث في هذا القسم من المغرب و قيام قبائل سوس عندما رأوا تفاقم الأحوال وافتراق الكلمة بالبحث عمن يقودهم ويسوس البلاد عجل بهذا الأمر ، إذ توجه رؤساء هذه القبائل إلى أقا ، وهي منطقة في سوس ، إلى الشيخ أبي عبد الله بن المبارك الأقاوي طالبين منه حيازة الأمر.

ـــ أيها الشيخ ، هؤلاء شيوخ و زعماء القبائل جاؤوك من كل فج عميق  يبايعونك على السمع و الطاعة وأن تنهض بهذا الأمر ، فالعدو قد تمادى و تعدى و لا سلطة قائمة ترد و تحمي ، وأنتم أهل لهذا الأمر لما نعرفه عنكم من التقوى والصلاح ، فابسط يدك لنبايعك ...

ـــ مهلا يا قوم ، لست الرجل الذي تطلبون و ليس بي همة للفعل الذي قدمتم من أجله ، ولكن عليكم برجل من الأشراف في بلاد درعة يقول أنه سيكون له ولولديه شأن ، فلو بعثتم إليه كان أنسب لكم وأليق بمقصودكم .  

شدت الرحال من جديد صوب درعة وتحمل الناس ما تحملوا من مشاق السفر و حدثوا القائم بأمر الله بمبتغاهم فأجابهم إلى ذلك على أن تتم البيعة في تيدسي .

كان الشيخ محمد أبو عبد الله الملقب بالقائم بأمر الله من أهل القرآن والذكر و الورع في دينه ، كما كانت له دراية واسعة بالعلوم والفقه و تاريخ قطره و طبائع قومه ، فانعكس ذلك على أبناءه الثلاث عبد الكبير و أحمد ومحمد الشيخ ، فقد كانت لهم رجاحة في العقل و فصاحة في الكلام فأحبهم الناس جميعا لحلو معشرهم ولين جانبهم .

حضر الشيخ إلى تيدسي وحضر فقهاء المصامدة  وشيوخ القبائل فبايعوه على السمع و الطاعة في المنشط والمكره، ثم قام فيهم خطيبا

ـــ أيها الناس ، اسمعوا وعوا ما أقول ، إن الدنيا إلى زوال و إن الآخرة في إقبال و ليس لنا ولكم سوى الجليل من الأعمال ، فجددوا النية واعقدوا العزم و ألهبوا في نفوسكم الجد و جودوا بالمال والدم تحوطوا أرضكم وأعراضكم وأنفسكم . أيها الناس قد رأيتم ما فعل بنا الغازي المحتل و قد  عشتم ظلم و تشتت سلطان بني وطاس المنحل فليس لكم والله إلا عزائم أنفسكم وحدة سيوفكم و اجتماع كلمتكم  فهنيئا لكم ببيعتكم . أيها الناس لقد قلدتموني هذه الوصية فإن سرت فيكم بالرضية و حكمت بينكم بالسوية وقمت إلى الثغور فحررتها من الدنية فلي عليكم بيعة على طاعة الله ورسوله و إن خالف قولي فعلي وظاهري باطني فلكم علي أن تعزلوني و انظروا من يصلح شأنكم دوني .

سرت هذه الكلمات مسرى النار في الهشيم و فعلت فعلها في نفوس فتدافعوا للبيعة من جديد . وما إن انتصف النهار حتى كانت القلوب على رجل واحد مجتمعة والأهواء على الجهاد متفقة. فبدأ ابو عبد الله بتنظيم شؤون دولته الجديدة  فكانت أول ضريبة فرضها عليهم هي ضريبة البيض ، حيث طلب منهم أن يحضروا بيضة عن كل نفس فاستصغر الناس هذا الأمر فاجتمع له بذلك بيض كثير ثم أمرهم بأن يضعوا بدل كل بيضة درهما ففعلوا .فاجتمع له مال كثير أصلح به شأنه و قوى به جيشه الجديد .

كان هذا الغليان الشعبي في كل مكان ، فقد كان لاحتلال آسفي و انهزام أهله و تشتتهم في أرجاء البلاد ، حاملين معهم قصصا تشيب لها الولدان ، الوقع السيئ على نفوس الناس الذين أخذتهم الحمية والنخوة . فبدأت القبائل تراسل الأخرى و تستحثها على الخروج لحرب المحتل ، كما لعب الفقهاء و العلماء إلى جانب زعماء القبائل دورا كبيرا في إذكاء روح الجهاد في نفوس الرجال . وكانت بعض هذه الوفود تسوق أمامها أيتام وأرامل المدينة في محاولة لتحريض من تقاعس و تذكير من تخاذل من القبائل .

استمر التجميع و النفير مدة ليست بالقصيرة ، فاجتمعت بذلك قوافل كثيرة من المحاربين يفوق تعدادهم المائة و الخمسين ألف قادمين من قبائل أزمور و أولاد عمران و أولاد يعقوب ، كما انضاف إليهم المحاربون من أولاد بوعزيز والغربية، بينما كانت المناطق الجنوبية للمدينة تدفع برجالاتها من بني ماكر و حاحا والشياظمة ،غير أن بعض قبائل عبدة رفضت المشاركة في هذه الحرب لأسباب لم يفصح عنها شيوخها . 

أدرك نونيو الأخطار المحيطة به فدعا إلى اجتماع عاجل ضم جميع القادة و كبار موظفيه كما حضره بعض الأعيان كأبراهام بن زميرو و أخوه إسماعيل . بدأ الإجتماع بالمجاملات كما العادة ثم تقدم نونيو قائلا

ـــ  أيها السادة في البداية أريد أن أطمئنكم أولا أن الإمدادات في طريقها إلينا ، فقد تلقينا وعودا قاطعة من قبل جلالة الملك بأن تجار أزمور و يهود قادس و من الكونطادور نونو كاطو بأنهم سيدعموننا بالمال والرجال ، فخلال أسبوع أو أقل سنصير تسعمائة رجل و سيكون لنا من الرصاص و الذخيرة ما يكفي لحرب طويلة الأمد .

ـــ وماذا عن المؤونة ؟ تسائل أحد القادة

ـــ لدينا ما يكفي ، كما أننا أدخلنا ما يكفي من المواشي

ـــ سيدي القائد ، المواشي وحدها لا تكفي إذ يلزمنا احتياطي كبير من الحبوب و العسل والشمع و الزيت ، وما هو متوفر لدى التجار البرتغاليين و اليهود منهم لا يكفي .

ـــ ماذا تقصد يا أبراهام ؟

ـــ أقصد التجار العرب الذين بقوا في المدينة والذين استفادوا من الرواج التجاري و من التسهيلات الممنوحة لهم ، فهذا أوان الجد ، فلا بد أن يساهموا في نفقات الحرب ....

ـــ و إن رفضوا ؟

ـــ عزيزي بريغا ، نحن من يقرر ونحن من ينفذ و أعتقد أنك قد فهمت مغزى كلامي .

ـــ سنرى هذا الأمر فيما بعد . أنا جمعتكم لنرى كيف سندافع عن المدينة ؟ .... فكما تعلمون فإن للمدينة أربعة وسبعين برجا دون المطلة منها على البحر و ما لدينا من الرجال لا يكفي لتغطية كل هذه الجبهات .

ـــ إن سمح لي القائد تكلمت ، تبعا لما قلتم فالأسوار شاسعة وهي في حالة رديئة جدا لا تتحمل ضربات المدافع، فإني أرى أن نركز قواتنا داخل القصبة والإكتفاء بحمايتها ثم المقاومة داخل الأزقة . فهذا سيعطينا قوة و متانة لدفاعاتنا عوض أن نشتتها على طول السور وفوق الأبراج .

ـــ أيها القائد بريغا.... كنت و لا أزال أعتبرك من خيرة قوادنا و أشجعهم ، لكن خانتك الفراسة هذه المرة .... لو قاتلنا كما رأيت لأعطيناهم فرصة للدخول إلى المدينة و لاحتموا ببيوتاتها و لساعدهم الأهالي في ذلك ، كما سنعطيهم فرصة لفصل المدينة نصفين و محاصرة القلعة وآنذاك لا نستطيع أن نتواصل مع بقية الجند الموجود فيها . وأنا لست مستعدا أن تقرأ أجيالنا أن نونيو دي أتايد قد فرط في شبر من المدينة ....فأنا أفضل الموت تحت أسوارها مقداما على ألعن في صلوات الكنائس .

ـــ سيدي القائد ،..... نحن معشر اليهود يمكن أن نساعد في تغطية بقية الأبراج .

ـــ كيف ؟

ـــ سنلبس نساءنا الملابس العسكرية و نوقفهن فوق الأبراج المتينة و العالية و نوهم العدو بكثرة أعدادنا ، فالحرب خدعة كما يقولون أليس كذلك.

ـــ حسنا يا سادة من منكم له رأي آخر ؟ ........... حسنا...اقتربوا...

ثم أخرج ورقة مرسوم عليها خريطة للمدينة ثم بدأ يوزع الأدوار

ـــ فرانسوا دابرو ستكون أنت عند باب أكوز ، وأنت كريستوف عند باب غرنير، أما باب الشعبة ... وما أدرا ما باب الشعبة بوابة دكالة وأزمور .... فسيكون عنده غارسيا ديساما و بيير دو بريتو.... إسمعا ... أنا أعول عليكما كثيرا هنا .... عزيزي نونوفاز.... سيكون من نصيبك جهة البحر بينما سيكون دو نومونها قائد على اليهود .

ـــ أخشى ما أخشاه هو باب المدينة

ـــ لا تخش شيئا أيها القائد بريغا . القائد جون نومن و القائد عمانويل سيتكلفان بالأمر. وسأكون أنا والقائد بريغا معكم جميعا نتفقد المواقع وندعم الضعيف منها ، بينما سيتكلف بن زميرو بالنساء .

سادت موجة عارمة من الضحك وسط القاعة ، بينما تابع نونيو كلامه

ـــ يمكنكم الإنصراف إلى مواقعكم .

خرج الجميع بينما بقي بريغا و أبراهام وأخوه إسماعيل في القاعة .

ـــ سيدي القائد ، أبشرك بخبر جديد ، في غضون يومين ستصل سفينتين من أزمور محملتين بالسلاح و على متنها مائتا مقاتل من اليهود المتطوعين ، وقد تكلفت أنا وأخي بكل التفاصيل .

ـــ حسنا عزيزي أبراهام ،.... طلباتكم ؟ فأنتم لا تدفعون إلا لتأخذوا أضعافا مضاعفة .

ـــ لا تقسو علينا أيها القائد ..، ما أعرفه هو أن الدرهم في اليوم الأسود يتضاعف في اليوم الأبيض ،ثم أننا أيها القائد لا نطلب كثيرا ... فقط أن نتكفل بتحصيل إيرادات الجمارك بالمرسى .

ـــ أنت لا تشبع أبدا يا أبراهام....... فقط إيرادات الجمارك بالمرسى ؟.....

ـــ أجل ... وفقط ....أيها القائد

تابع نونيو تحضيراته للمعركة فقد كان يقف بنفسه بعد وصول الإمدادات على تسليح الجنود و مدهم بالمصابيح مخافة الهجوم الليلي مع تزويدهم بالطعام والشراب و الخمر أحيانا ، بينما كان الجيش المكون من أخلاط القبائل بدون خطة عسكرية وبدون ترتيب . فلم تكن له قيادة موحدة ولا تنظيم محدد ، فكل ما استطاعوا الإتفاق بشأنه هو تواجد كل قبيلة أمام أحد الأبواب بينما اختلفوا في موعد الهجوم في بداية الأمر .

وهكذا فقد تجمع مقاتلو الشياظمة وحاحا و بني ماكر في الجهة الجنوبية للمدينة بينما احتشدت جموع قبائل دكالة وأزمور والغربية أمام باب الشعبة وأفردت القصبة ببعض قبائل عبدة وأولادعمران. و بقيت هذه الجيوش لمدة عشرة أيام تحفر الخنادق و ترفع المتاريس و تصوب مدافعها نحو السور .

كان لهذه الأحداث و التي قبلها أثر سلبي على الأهالي  فقد ساءت أحوالهم كثيرا و خصوصا التجار منهم إذ زاحمهم اليهود و البرتغاليون على حد سواء حيث احتكروا أهم السلع استيرادا وتصديرا كما الشأن بعائلة بن زميرو . ولم يعد بن حدو ومولا ي المهدي بقدورهما المنافسة و التواجد داخل السوق رغم اٌلإقبال الكبير على الحبوب و القطاني  . مسعود وهس لم يكن أحسن حالا من سابقيه و كذا منصور بن سعد الله الذي أغلق الدكان و أصبح سمسارا مؤملا أن تتحسن أحواله لكن دون جدوى . و أمام حبه للمال و خوفه من تبدل الأحوال بادر علي وبورحيس إلى بيع المقهى ثم عمد إلى زوجته فطلقها و اتخذ ركنا بجانب المسجد الأعظم يتسول المارة .

لم ينس مولاي المهدي ذلك الصباح حين وقف أمام باب وكالته نونيو و بريغا و بن زميرو و فيلق من الجيش و عدد من الحمالين .

ـــ عزيزي المهدي ، الحرب على الأبواب و جئناك لتدفع مساهمتك فيها

ـــ هذه حربكم و ليست حربي .... ثم كيف أدفع لكم لتقتلوا أهلي ؟

ـــ أهلك هم من حاصرونا و جاؤوا ليقتلونا و نحن ندافع أن أنفسنا و عنكم .....

ـــ وهل حاصر أهلي لشبونة أم آسفي؟

أفحمت هذه الكلمات نونيو فلم يدر ما يقول فتدخل بن زميرو

ـــ عزيزي المهدي ، أنت لم تغادر المدينة كما فعل الآخرون ....بل بقيت فاستفدت و راجت تجارتك بفضل تواجد البرتغاليين و أنت تدرك ذلك جيدا ، و إلا لماذا لم ترحل مع الآخرين ؟... و اليوم حان وقت التكافل و التضامن من أجل الحفاظ على هذه المكاسب ، وفوق هذا نحن لم نأت لنطلب بل لنأخذ حقنا و لو بالقوة ، و إن رفضت سنعتقلك ونقدمك للمحكمة العسكرية باعتبارك متعاونا مع العدو .

صمت مولاي المهدي و لم يقل شيئا بينما أمر بريغا رجاله بحمل أكياس الحبوب و القطاني .

ـــ لا تقلق لن نأخذ كل شيء.... فقط الثلثين .. .

في صبيحة اليوم التالي جمع مولاي المهدي أغراضه و هم بمغادرة المدينة ، لكن أعين الحكام الجدد كانت تترصد كل صغيرة وكبيرة . فما إن وضع رجله في الركاب و أركب أهله دوابهم حتى أحاطت به  مجموعة من الجنود .

ـــ إلى أين أيها الرجل ؟

ـــ أريد الرحيل ، فلم تعد لي رغبة بالبقاء هنا .

ـــ لا خروج و لا دخول إلا بعد انتهاء الحرب و بعدها لك أن تطلب الإذن القائد نونيو.

نزل مولاي المهدي عن دابته و أدخل أهله البيت و أغلق عليه بابه ، بينما كان بن زميرو يرقب الوضع عن بعد و هو يبتسم . 

************

مرت الأيام تباعا دون حسم المعركة ، و زاد من صعوبة المعركة نوعية التربة المحيطة بالمدينة والتي تتشكل أغلبها من الطين مما جعلها زلقة أكثر بفعل تهاطل الأمطار. بعد تحديد موعد الهجوم في المرة الثانية تقدمت جموع المحاربين نحو الأسوار فتلقتهم القوات المحتلة بالزيت و الزفت ترافقها طلقات البارود . فتراجعت الجيوش المهاجمة بعدما تركت وراءها عشرات القتلى . ثم عاودت الكرة في اليوم الموالي من جهة البحر فاستطاعوا إحداث ثغرة في الجدار ، لكن خارت عزائمهم عندما هرع نونيو ومجموعة من الفرسان لإنقاذ هذا الجانب من المدينة .

دام حصار المدينة شهرا كاملا ف بدأ الشك يدب في النفوس من جدوى الحرب  وبدت ملامح الخيبة تلوح في الأفق بسبب المقاومة العنيفة التي لم يكونوا يتوقعونها ،  كما بدت مظاهر الفشل تتجلى من خلال تبرم الذين خرجوا مكرهين للقتال و في تذمر الفلاحين المشاركين في الجيش من طول المكوث دون فائدة معللين رغبتهم في الانصراف من أجل مباشرة أراضيهم و مواشيهم . و من دون استشارة أو طلب إذن بدأت قوافل من المحاربين يغادرون ، كما بات كبار الجيش يفكرون في الانسحاب و فك الحصار بعد فقدانهم أزيد من خمسة آلاف مقاتل  . غير أن نونيو كان له توديع من نوع آخر فقد سارع إلى تشكيل حملة من أربع مائة فارس طارد بها المنسحبين فأثخن فيهم قتلا ثم عاد مظفرا إلى مدينته و طبول النصر تقرع في كل الأرجاء .

طال حبس سيدي احبيبي ما يفوق الشهرين حتى ساءت حالته الصحية ، ولم تيأس زوجته دادة سعادة من الوقوف صباح مساء أمام القلعة حتى أيام الحصار مطالبة بإطلاق سراحه . كانت تقف في كثير من الأحيان صامتة لا تتزحزح عن مكانها رغم ما كانت تتعرض له من قبل الجنود تارة أو من قبل بعض التجار معتقدين أنها متسولة جاءت تطلب المعونة . و أمام هذا الإصرار العجيب صارت تلقب بذات الحائك الأبيض .

ـــ سيدي القائد ما هي أخبار السور الجديد ؟

ـــ كما تعلم جاء الأمر من الملك ببناء سور جديد عوض ترميم السور القديم ، ولكن لم يأت الدعم بعد ، وكنت سأتدبر الأمر و سأبدأ بما تيسر لي لكن استقر الرأي عندي أن أنتظر الدعم و أنتظر المهندسين و البناءين.

ـــ أظن أنك أصبت الحقيقة .

اقترب بريغا قليلا من النافذة ثم أشاح بوجهه و قال

ـــ سيدي القائد هل في كلمة أو طلب ؟.... رأيت تلك المرأة ذات الحائك الأبيض و قد أسقطها أحد الجنود و أثر ذلك في نفسي فلو أطلقت سراح زوجها ؟

ـــ القائد بريغا يحن قلبه و يعطف؟ .... هذا شيء عجيب ... و أنا الذي أعلم أن الرحمة لا تعرف طريقا إلى قلبك .

ـــ في المعارك فقط  سيدي ، و مع الأنداد الذين يقارعون بالسيوف . ولكن مع مثل هذه المرأة شيء آخر.

ـــ حسنا أيها القائد العطوف و الحنون  إذا كان الغد ذكرني بالأمر .

انتظر مولاي المهدي حتى هدأت الرجل ليلا ، فخرج من بيته خائفا يترقب . كان الجو قارسا وكانت بعض القطرات من الأمطار تبلل ملابسه و تزيد من صعوبة المشي في أزقة مظلمة و ليل بهيم . طرق مولاي المهدي باب محمود طرقا خفيفا ، فأعاد الكرة مرات عديدة مما خلق جوا من الخوف في نفس صاحب البيت . كانت الثواني تمر أمام مولاي المهدي كأنها أعوام خوفا من أن يفضح سره و يسبب مشكلا لمحمود . و بعد لحظات جاءه صوت خافت من الداخل

ـــ من الطارق ؟

ـــ محمود إفتح أنا المهدي .

ـــ من المهدي ؟ وماذا تريد ؟

ـــ أنا المهدي ، التاجر الذي كنت تشتغل عنده .

فتح الباب بسرعة ثم ارتمى في أحضان مشغله السابق ثم أدخله بيته بعدما تأكد من خلو الزقاق .

ـــ مرحبا بسيدي... مرحبا.... كيف حالك سيدي ؟

ـــ إسمع يا محمود جئتك في طلب .

شرح مولاي المهدي لمحمود ما حل به و ما أصابه وأنه ينوي الهرب من المدينة بعدما منع من الخروج منها و أن طلبه يتلخص في تأمين خروجه و سفره . وأنه قد قصده لما كان بينهما من العشرة في السابق . ثم أخرج صرة من المال و دفعها لمحمود.

ـــ ما هذا يا سيدي ؟ مال نظير صنيعي هذا ؟ كأنك تعيرني يا سيدي  ... هذا و الله لن يكون .

تجمدت الدماء في عروق مولاي المهدي ظنا منه أن محمود قد رفض الأمر جملة و تفصيلا

ـــ يا سيدي ، ألم أكن فقيرا فأغنيتني ، ألم طريدا فآويتني ، ألم أكن عاطلا فشغلتني ؛.... فهذا أوان أن أرد بعض أفضالك الكثيرة علي . سأؤمن لك الخروج والسفر معا و لكن أمهلني بضعة أيام ،..... و أرجو أن تتصرف خلالها بطريقة عادية ، ادخل السوق و افتح وكالتك واشتر كمية وافرة من القمح ليلة الخروج حتى تبعد عنك الظنون فالأكيد أنهم يراقبونك .

ـــ بورك فيك من رجل .

ـــ وهذا مالك بارك الله لك فيه .

ـــ أنا لم أقدم لك هذا المال رشوة معاذ الله ....ولكن ما دمت قد رفضت فخذه ثمنا للدواب ومؤونة الطريق .

ـــ أما هذه فنعم ..... وحين أرتب الأمور سأتصل بك

خرج مولاي المهدي ملثما مرة بعدما أمن له محمود الطريق . خرج وهو يتذكر ذلك اليوم الذي وجد فيه محمودا وقد أغلقت الناس أبواب دورها في وجهه و هو يبكي و يرتجف من البرد ،فآواه في بيته  ثم أطعمه وسقاه و ألبسه ثيابا ثم علم منه خبر بكاءه و بقاءه في الخارج وحيدا في عتمة الليل .

ـــ لقد مات أبي البارحة فطردني صاحب البيت لعلمه أني لن أدفع له ثمن الكراء .

ـــ و أين أمك ؟

ـــ هي الأخرى ماتت منذ زمن .

كانت الذكريات تعصف برأسه فما أوقفها إلا صوت زوجته تستفسره في الأمر ، أجابها

ـــ خيرا إن شاء الله ، وعدني محمود خيرا ، جهزي أغراضنا احملي كل ذي قيمة ، يجب أن نكون على استعداد

 ثم ارتمى فوق السرير يغط في نوم عميق .

في صبيحة اليوم التالي جاء الدعم من الملك ببناء السور الجديد و جاء معه البناءون و المهندسون . فكان على نونيو أن يباشر العمل فورا كما كان عليه أن يقوم مع جاك دي أرودا  ــ المهندس المسئول ــ بجولة عبر أسوار المدينة و جنباتها و التلال المحيطة بها .

ـــ عزيزي جاك ، لدي ثلاثة شروط بشأن هذا السور ، أولا السرعة في الإنجاز فأنا أخاف من أي هجوم محتمل ، ثانيا القوة والصلابة و هما أساسيان بالنسبة إلي  والثالث تقليص مساحة المدينة .

ـــ سيدي القائد ، لقد خصكم جلالة الملك بأفضل ما لديه من البنائين و المهندسين من أبناء مدرسة  "باتالها " العظيمة ، فلا تقلق .

ـــ أنا أعرف المدرسة جيدا و أعرف إنجازاتها ، دير المسيح بتومار وأروقة دير بليم و غيرها من الروائع . أجل أعرفها جيدا .

بعد هذه الجولة عاد نونيو إلى القلعة فوجد دادة سعادة كالعادة واقفة أمام القلعة ، نظر إليها مليا ثم دخل و ما إن رأى بريغا حتى ابتسم وقال

ـــ أدع المرأة و أطلق سراح زوجها أيها القائد الحنون .

دخلت دادة سعادة أولا إلى القاعة ، فبقيت واجمة لا تتحرك و بعد برهة دخل سيدي احبيبي و قد ساءت حالته و رق عظمه و بليت ملابسه . لا يفتر من السعال الحاد والجاف . ارتمت زوجته على يديه تقبلهما و هي تبكي

ـــ كفكفي دموعك يا امرأة فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .

تقدم نونيو من سيدي احبيبي ثم قال

ـــ لولا هذه المرأة لبقيت في السجن فقد نسيتك .

ـــ لله الأمر من قبل و من بعد ،

ـــ أنت تقول هذا الكلام ؟... و أنا من بيده الأمر ؟... وأستطيع أن أعيدك للسجن ، فأنا القوي و أنت الضعيف

ـــ أيها القائد ، القوة ترك للعدوان مع توفر أسبابه، والضعف هو الطيش عند أقل المغريات. فانظر أين تجد نفسك ؟.

ـــ ألا تخش الموت يا رجل ؟

ـــ لا يجزع من الموت إلا من ساء عمله وطال أمله، ولا يخشى الفقر إلا من ساء بالله ظنُّه، وتقاعست عن السعي عزيمته، ولا يجانب الصدق إلا من خبثت نيّته وساءت في الحياة طريقته، ولا يشكو سوء حظه إلا جاهل أو خامل .

في هذه الأثناء دخل بن زميرو فجلس بجانب بريغا

ـــ بم تنصحني ؟

ـــ احذر صحبة الحقود إذا تسلط، والجاهل إذا قضى، واللئيم إذا حكم، والجائع إذا يئس والخائن ( ثم التفت إلى بن زميرو) إذا تملك .

لم يستسغ بن زميرو هذه الإهانة فانتفض وقال

ـــ تأدب في قولك أيها الوضيع

ـــ أيها القائد، قال الثعلب للأسد بعد أن أوقعه في حفرة ظنّ أنه سيهلكه فيها: سأفضحك بين الحيوان بضعفك، فضحك الأسد وقال: مهما فعلت فسأظل أن أسداً وستظل أنت ثعلباً!.

ضحك نونيو وبريغا بين احمر وجه بن زميرو

ـــ هل لك في طلب ؟

ـــ أن تسمح لي بمغادرة المدينة .

ـــ إن قوما لم يجد مثلك مكانا له تحت الشمس بينهم لخليق بهم أن يستعمروا ويستعبدوا و أن تحتل أرضهم .

خرج سيدي احبيبي متكئا على زوجته دادة سعادة في حين التفت نونيو إلى بريغا .

ـــ أيها القائد جهز حملة لتفقد الضواحي ، لا نريد مفاجئات .

********

في هدأة من الليل سمع عمي ادريس طرقا على الباب . تسائل مع نفسه عمن يكون الطارق ؟ و كذا زوجته التي أيقظها هذا الأمر من النوم . رمى بالغطاء من فوق جسده ثم لبس جلبابه و أخذ سلاحه و نادى من وراء الباب :

ـــ من الطارق ؟

ـــ إدريس إفتح أنا أخوك العياشي ...

كان صوتا مبحوحا و متهدجا مما أثار الشكوك في نفس عمي ادريس

ـــ من أنت ؟ و ماذا تريد في هذا الليل ؟

ـــ أنا العياشي أخوك ، إفتح يا إدريس و لا تزد همي

ثم أجهش بالبكاء . فتح عمي ادريس فإذا بالعياشي يرتمي في أحضانه .

ـــ قتلوا مينة و عبد الغفور و سبوا حليمة

ـــ البرتغاليون ؟

هز العياشي رأسه متحسرا بينما انضمت صالحة إليهما بسؤال

ـــ وأين بقية أهلك ؟

ـــ هم خارج المدينة .

استيقظ صالح ثم ذهبوا جميعا . في الطريق كان الحديث بينهم ينصب حول طيبوبة حارس بوابة المدينة الذي أخذ على عاتقه إدخال العياشي لما علم صدق قصته . ولما عادوا إلى البيت هيأت لهم صالحة طعاما و شرابا ساخنا . و لما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام أنكر عليهم و ألح عليهم . فأكلوا جميعا إلا العياشي بينما أكل الأطفال و ناموا .

ـــ أخبرني ماذا حدث؟

ـــ ما إن أشرقت الشمس حتى طوقنا الجنود من كل ناحية ، فعثوا في الأرض فسادا ، كانوا يتلذذون بتكسير و تحطيم الأغراض . ثم بدؤوا يقتحمون بيوت الحريم و لما اعترضهم عبد الغفور طرحوه أرضا فلم يجد سوى المذراة أمامه فغرسها في صدر أحد الجنود فأرداه قتيلا . هنالك أطلق عليه الجنود رصاصهم بغزارة و لما ارتمت عليه أمه مينة لتحميه أصابها من البارود نصيب فماتت بالقرب من إبنها الوحيد .

ـــ الأوغاد ...ثم ماذا بعد ؟

ـــ أمهلونا ساعة كي نجمع أغراضنا و نغادر ، رفضت في البداية لكني أذعت لما أسروا جميع أبنائي ، فبقيت أستجديهم فأطلقوا سراحهم إلا حليمة فقد أخذوها سبية .

ثم أجهش بالبكاء . حاول عمي ادريس أن يخفف عن أخيه لكن بكاء النسوة و صالحة معهن كان يؤجج النار التي في صدره .

ـــ إبني قتيل و زوجتي قتيلة و بنتي سبية ، أي مصاب هذا الذي أصابني ؟

ـــ لن يفلتوا بفعلتهم هذه ، أقسم على ذلك .

ـــ منعونا من سوق ماشيتنا ، سمحوا لنا ببغل و حمار فقط حملنا عليهما متاعنا ، ثم أضرموا النار في البيت .

تأوه العياشي و قال :

ـــ أستغفر الله ، إنا لله و إنا إليه راجعون .

طيلة هذه الأيام كانت كتائب نونيو تجوب الضواحي و المناطق المحيطة بآسفي تقتل و تخرب و تدمر كل من استعصى عن الإذعان و دفع الإتاوة للبرتغاليين .فقد جاءته العيون بخبر خمسة وعشرين دوارا قد اتخذت مكانا قرب البحر على بعد فرسخين من المدينة . ما إن بزغ الفجر حتى نادى بالركوب على الخيل و ألا يخرج معه مغربي و لا يهودي .فخرج في أربع مائة فارس و خمس مائة راجل ببنادقهم تاركا حراسة المدينة لنونيو كاطو .

باغث نونيو الأهالي من الشمال و الجنوب بينما بقي و مجموعة من الفرسان يرقبون الوضع ؛ فأثخن فيهم قتلا و أسرا ، كبارا و صغارا ، بينما بلغت الغنائم خمسة آلاف من الغنم و ألف ثور و ثلاث مائة من الإبل مع عدد من الدواب و البغال ؛ كما أسر ما يفوق السبع مائة رجل و امرأة . لكنه آثر أن يتخلى عن كثير من الغنائم  خوفا من هجوم مضاد و مباغت لأن سوق هذه الغنائم تقتضي أن يتفرق الجيش و هذا ما لم يحبذه نونيو دي أتايد .

و في صبيحة اليوم التالي فوجئ نونيو بالقائد عيسى أبو بكر و معه سبعة من الأعيان يبدون رغبتهم في أن يكونوا من الرعايا البرتغاليين ، وأن يؤدوا الجزية للملك . وانطلاقا من هذا التاريخ بدأت وفود قبائل أولاد مطاع و الشياظمة تحدو حذو القائد عيسى و من معه . وصارت مداخيل الخزينة ترتفع يوما بعد يوم بفعل الإتاوات و الجبايات المفروضة على القبائل و المحددة في ألف بعير نصفها من القمح والآخر من الشعير و التي كانت تسمى ضريبة الخبز بالإضافة إلى أربعة جياد ؛ ثم ضريبة خاصة بسكان أيير و أكوز و تامر و تتعلق بأربعة صقور مدربة على الصيد.

كانت الرهبة من نونيو تزداد يوما بعد يوم في صدور الناس رغم أنه لا يملك جيشا كبيرا ، كما كانت قوته الاقتصادية تربو شهرا بعد شهر وعاما بعد عام بفضل غنائم الحملات و كذا الإتاوات و رسوم الدخول إلى المدينة ، لكن كل هذه الأموال كانت لا تكفي لتسديد نفقات بناء السور الجديد . و رغم هذا العائق كان نونيو يزداد إصرارا على بناء تلك الأسوار رغبة منه في جعل رعاياه في مأمن من أي هجوم محتمل .

صار البناء يكبر شيئا فشيئا متحديا مصاعب التضاريس و كلفة نحت الأحجار من صخور البحر. كما عهد إلى سمك الأسوار بمقاومة قذائف المدافع . كانت الأبراج تعلو لتزيد البناء شموخا و عنفوانا وتزيد البنائين فخرا و تيها ؛ بينما بقيت الأبواب صغيرة و ضيقة حتى تمكن المحتل من إحكام سيطرته على منافذ المدينة .

بناء الكاتدرائية

 

 

 **********

توصل مولاي المهدي هذا الصباح برسالة من محمود بأن الطريق سالكة و أن نونيو منهمك الآن في متابعة البناء و أنه لا يهتم لمغادرة أحد أو خروجه . و لما إن تأكد من صحة الخبر اتجه رأسا إلى السوق فضارب و باع و اشترى ، فأبدى همة و نشاطا حيث اشترى كمية وافرة من القمح عهد بها إلى عماله أن وزعوها على فقراء المدينة في صبيحة اليوم الموالي . 

 بعد شروق الشمس  لملم مولاي المهدي أغراضه و تنكر في زي امرأة بينما تنكر ابنه عبد الله في هيئة معتوه لا ينطق سويا و لا يعي ما يقول . صلى مولاي المهدي ركعتين ثم خرج الجميع من البيت على دفعات متفرقة .

وقف الجميع بعيدا في انتظار إشارة معلومة بينهم ومحمود . كان عبد الله يسوق أتانا يحملون عليها ما خف وزنه وغلا ثمنه من أموال و حلي و مجوهرات  حتى يوهموا الجنود أنهم إنما يريدون سفرا قريبا .

ـــ وقوفنا هنا فيه شبهة قد يفطن إلينا أحد الجند .

قالها مولاي المهدي بصوت خافت حتى لا يسمع صوته بينما ذكرته زوجته

ـــ ما ظنك باثنين الله ثالثهما و ما ظنك بأربع الله خامسهم

ثم جاءت الإشارة من عند محمود أن تقدموا ، فلما و صلوا عند باب الشعبة تهيبا للخروج سمع وقع حوافر الخيل قادمة من جهة القصبة ، فاستدار الجميع نحو الصوت ، فإذا القائد نونيو صحبة القائد بريغا و بن زميرو على جيادهم وقد كانوا في زيارة تفقدية لمواقع البناء . لم يهتم القائدان البرتغاليان لأمر العائلة بينما بقي أبراهام يدقق النظر و دب إليه بعض الشك في أمر مولاي المهدي .

ـــ من هذه ؟ و أين تريدون ؟

ـــ وما شأنك أنت ؟

ثم التفتت إلى نونيو و قالت

ـــ  هذه أختي أيها القائد و هي صماء بكماء ... وهذه بنتي وهذا ابني و حاله ينبئك عن مقالي ....

تقدم عبد الله من القائدين و لعابه يسيل على صدره فحياهما تحية عسكرية مما أضحكهما لكن نونيو بقي مصرا على رأيه حول مولاي المهدي .

ـــ أيها الحارس فتش هذه المرأة

ـــ قبحك الله من يهودي لئيم أيكشف رجالكم في شريعتكم على نسائكم ؟

أثار هذا الكلام موجة من الضحك بين الحاضرين مما استفز بن زميرو فلمح امرأة يهودية تمر بالقرب من باب الشعبة

ـــ تعالي يا امرأة ، فتشي من تكون هذه ؟

بقي محمود مسمرا في مكانه من الخوف أن يفتضح أمره بينما دخل مولاي المهدي و زوجته و المرأة اليهودية خيمة أعدت لمبيت الحراس . دفعت للا زينب صرة من المال إلى المرأة وناشدتها

ـــ أكتمي عنا يا امرأة و لك مثلها إن تجاوزنا البوابة و إن أخلفنا الموعد فنادي آنذاك على الحراس .

نظرت المرأة إلى المال ثم إلى مولاي المهدي و صمتت قليلا ثم هزت رأسها موافقة . وما إن خرجوا حتى بادرهم بن زميرو

ـــ هه ، ماذا وجدت يا امرأة ؟

ـــ وجدت امرأة مثلي .

ـــ هل أنت متأكدة ؟

ـــ قبحك الله ، و هل أنت متأكد من أنك رجل ؟

عم الضحك مرة أخرى باب الشعبة و احمر وجه بن زميرو وقال

ـــ و أين تريدين أنت ؟

ـــ وما شأنك أنت ؟ أم تريد أن تفتشني أنا أيضا ؟... ألا تراني امرأة ؟

سار مولاي المهدي بهيئته التنكرية اليوم كله حتى وصل غابة على بعد ثلاثة فراسخ ، فوجد فيها رجلا ينتظره بأربعة جياد و مؤونة و أغطية . التفتت إليه رحمة وقالت

ـــ ألا نستريح قليلا يا أبي ؟

وافق مولاي المهدي لكن عبد الله كان له رأي آخر

ـــ وماذا لو فطن لنا العدو ، ألا يمكن أن يكونوا الآن في أثرنا ؟،... سنسير ليلا حتى الصباح و لكن في اتجاه الجنوب .

سار موكب مولاي المهدي الليل كله دون توقف مما أرهق للا زينب و رحمة فطلبا قليلا من الراحة لكن عبد الله لم يوافق على طلبهما .

ـــ لن نتوقف حتى نتجاوز وادي تانسيفت .

كان عبد الله شابا حدثا ، تجاوز العشرين من عمره بقليل ، حفظ القرآن وحفظ العديد من المتون وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. كان حاد الذكاء لدرجة كانت تحير السي البشير المعلم والمربي . فقد كان يلجأ إليه في مسائل عديدة خصوصا في الإرث و تشعباته.

في صباح اليوم التالي سرى خبر فرار مولاي المهدي بين الناس و في أوساط الجند فأحس نونيو بالخجل لأنه خدع و أن بن زميرو كان على حق كما أحس الأخير بالإهانة لأن يهودية خدعته و تلاعبت به .

ـــ إنهم أربعة ، رجلان و امرأتان و معهم دابة عجفاء .... لن يذهبوا بعيدا ...عودوا بهم أحياء مكبلين ... لقد ساروا جهة الشمال باتجاه مدينة الغربية ...إن أسرعتم فقد تقبضوا عليهم قبل أن يصلوا إليها . هيا انطلقوا ...

أحس مولاي المهدي بآلام الركبة تعاوده من جديد فلم يعد يطيق السير أو الركوب مما اضطر عبد الله إلى أن يقف في أقرب مكان طلبا للراحة ، فانحاز إلى خوخة كثيفة الشجر فأناخ بها حتى لا يرى من بعيد ، ثم قام بجولة استطلاعية أمن بها المكان . وما إن لامست أجسادهم الأرض حتى غطوا في نوم عميق إلا عبد الله الذي ظل يرقب المكان من فوق تلة قريبة . و لما انتصف النهار أيقظهم للركوب من جديد تأمينا للرحلة من المخاطر فتجاوزوا جبال بني ماكر و وادي تنسيفت ثم توغلوا في أرض الشياظمة .

وصل الركب دوار الشيخ المحجوب عند المغيب ، فاستقبلهم أهل القرية بحفاوة بالغة فقد كانت أخبار مولاي المهدي ودعمه للمجاهدين تملأ أسماع أهل القرية . استقر الرجل و أهله في بيت تابع لمسجد القرية ريثما يجد سكنا يحميهم من حر الصيف و قر الشتاء . داخل البيت الصغير لم يقاوم عبد الله النوم فقد غالبه وارتمى فوق حصير دون غطاء و لا أكل و لكن ارتاح باله من خوف الطريق و غدر الليالي .

بعد صلاة الفجر وقفت امرأة بباب المسجد تنتظر خروج الشيخ المحجوب و السي البشير

ـــ سيدي الشيخ ، عظم الله أجركم في والدتي ، لقد توفيت هذه الليلة

لم تكن هذه المرأة سوى زهرة ولم تكن المتوفية سوى أمها يامنة . فقد عانت كثيرا مع المرض إذ كانت تعتبر نفسها السبب فيما حصل ، فلجأت إلى تعذيب نفسها امتناعا عن أخذ الدواء و الأكل في كثير من الأحيان .

شاع خبر الوفاة بين نساء القرية فتوافدن على البيت يعزين زهرة في أمها ، فكان من بين المعزيات زوجة الشيخ المحجوب و بنتها يزة كما حضرت زوجة السي البشير الياقوت و كذا بنتها رحمة زوجة مبارك . كانت أم هانئ تستقبل المعزيات بينما كانت زهرة منكفئة على وجهها تبكي بكاء مريرا . غير أن أمرا أثار انتباه أم هانئ فقد بادرت كل النساء إلى خلع نقابهن بعد الدخول إلى البيت إلا واحدة ، فقد كانت على وشك نزعه حتى رأت أم هانئ و زهرة فارتبكت بل و كادت أن تسقط متعثرة في ثوبها ثم أسرعت بالخروج دون أن تعزي أحدا.

شكت أم هانئ في المرأة بل تعدى شكها إلى اليقين

ـــ رباه ، أتكون هي حادة ؟ و لكن كيف حضرت إلى هنا ؟ و هل كانت طوال هذه المدة معنا في القرية دون أن يعلم بها أحد ؟ فلعلها غيرت إسمها حتى لا تعرف .... لا ليست هي حادة ... حادة هربت منذ زمن و لا يمكن أن تخطئ و تأتي معنا و هي تعرف أننا سلكنا هذه الطريق . و لكن كل الملامح تدل على أنها حادة . الطول و القد و الحركات حتى المشية والسرعة .

لم تطق أم هانئ صبرا فكلمت زهرة ، لكن هذه الأخيرة لم تصدق الأمر و لم تعره أي اهتمام . بينما باتت حادة ليلتها مشغولة البال فقد بقيت رياح الهواجس تعصف بها في كل اتجاه .

ـــ ترى هل عرفتني أم هانئ ؟... و لكن كيف حضروا إلى هنا و أنا لم أعلم بهم ؟ كيف ؟.... هل عرفتني ؟... هل رأتني ؟ لا أظن ذلك .... و ماذا لو عرفتني ؟ أتكون أيامي معدودة في هذه القرية ؟.... ما المخرج إذن ؟... و ما السبيل إلى الهروب ؟ رباه أين المفر؟    

و غير بعيد كان إسم يحيى بن تاعفوفت يتردد على كل لسان ، في حصن أكوز و بادية الشياظمة وعبدة والنواحي. كان نجمه يزداد سطوعا و الأفئدة تزداد ارتعاشا من ذكره خصوصا إذا استحضرنا أعماله الكبيرة في إخضاع قبائل الشياظمة و الغربية وأولاد مطاع وأولاد عمران . كما كان البلاط الملكي بلشبونة ينظر إليه على أنه أحد كبار الخدام الأوفياء للبرتغال و كانوا يلقبونه بالقائد الشاب ذو القلب النظيف .

ورغم ما قيل عن يحيى في البلاط ورغم هفواته في الأيام الأولى فإن الملك استبقاه وتغاضى عن زلاته و اصطنعه لنفسه و سماه قائدا على البادية لأنه أعرف الناس بطبائع أهل البلد . فاستطاع يحيى أن ينجز ولاءات عدة للبرتغاليين مما أكسبه حظوة ومنصبا صار معهما حاكما على عبدة ودكالة .

اشتد عود يحيى و أصبح له أتباع و جيش ، وكانت حملاته المتكررة و جولاته الميدانية لا تفتر تارة يقودها بنفسه وتارة مع أحد القادة البرتغاليين وأخرى كان يعهد بها لمساعده عبد الجليل الملقب بالغول .

عبد الجليل رجل ينحدر من بدو الصحراء ، كان طويل القامة أسمر اللون ، ذو بنية جسمانية هائلة و لحية خفيفة لم يتجاوز الأربعين من عمره . كان قاسي القلب ، لا تعرف الرحمة ولا الشفقة طريقا إلى قلبه . عوتب مرة من قبل بعض القادة على قسوته فأجابهم 

ـــ سيدي هو يحيى و حبيبي هو المال و صديقي هو سيفي و لا أعبد غيرهم .

كان كلما ذكر الغول في مجمع جف ريق القوم و اصفرت وجوههم كأنه الموت الزؤام .

مرة ذكر الغول و أطنب أحد الشباب في ذكره و بالغوا في وصف قوته ، وأنه لا مجال للتصدي إليه و من حسن تصرف المرء ألا يعترض طريقه . بينما ساق آخر موقفا طريفا إذ أصبحت النساء يرهبن أبنائهن بالغول إذا رأين منهم سوء الأدب . وجم القوم كأن على رؤوسهم الطير فيما عبد الله يستمع مندهشا من وجل أقرانه

ـــ لا تخف يا عبد الله ، الغول في قلعة أكوز و ليس بيننا .....

ـــ إن ما أخافني هو ما تروجونه بينكم من نشركم للهلع بينكم ، الغول رجل كباقي الرجال له قوته و له ضعفه .

ـــ أنت لم تره من قبل ، ولم تسمع عن معاركه و حدة طبعه ، فهو لا يعرف الرحمة مطلقا .

ـــ أنتم هزمتم أنفسكم بأنفسكم ، و فعلتم بأنفسكم ما لم يفعله الغول بكم ، فكيف لو واجهتموه فعلا ، أكنتم ستصمدون ؟

ـــ لم يصمد أمامه الرجال فكيف بالشباب ؟

ـــ كما قلت لكم لكل قوة مهما كبرت نقطة ضعف ، فقط يكفي أن تبحث عنها .

ـــ فابحث لنا عنها أيها الغول الصغير.......

ضحك الشباب من عبد الله ثم هموا بالإنصراف فخاطبهم واثقا من نفسه

ـــ سأبحث عنها إن لم تكن بالسيف فبالحيلة ، فالحرب خدعة كما يقولون .... أليس كذلك ؟

استهزأ الشباب من قوله وضحكوا ثم انصرفوا

ـــ من غرائب آخر الزمان ، الغول الصغير يتوعد الغول الكبير......

**********

سطع نجم الشرفاء السعديين بقوة في الجنوب المغربي ، فاجتمع عليهم الناس من كل حدب و صوب فقويت شوكتهم ، وصاروا ينشرون معايب الدولة الوطاسية . و قد كانت لهم فصاحة في القول و بيان يسبي العقول و يذهب بالألباب . فاستولوا على تارودانت و أقاموا فيها مدة من الزمن ثم اتجهوا غربا إلى أكادير و قد كانت تحت الإحتلال البرتغالي فحاصروها مدة دون نصر يذكر .

لم تغب هذه التحركات عن البرتغاليين الذين كانوا يرصدون كل صغيرة وكبيرة عن الدولة الناشئة بالجنوب . فكان من تدبيرهم توسيع مجال السيطرة و محاولة حصار السعدين في مكانهم ومنعهم من التقدم نحو الشمال و بالذات ناحية آسفي باعتبارها لم تكن خاضعة لأي سلطة مغربية . وهكذا توالت الحملات البرتغالية على المناطق المحيطة بآسفي ثم بدأت في التوسع داخل العمق المغربي شمالا حتى بولعوان و الجبل الأخضر و شرقا حتى تخوم مراكش وجنوبا حتى تجاوزت جبل الحديد في الشياظمة حيث بلغت تادنيست ومرامر . وقد كان البرتغاليون و حلفاءهم من المغاربة يتفننون في حرب الإبادة التي كانوا يمارسونها لإشباع غريزة العنف و النهب و الإحراق و جمع الأسرى ؛ بل حتى في كيفية تصفية خصومهم إما جرا من أقدامهم بواسطة الخيول وسط الصخور حتى يلفظ أنفاسه أو ردما بالتراب في أقرب بئر يصادفونه في الطريق .  

 ولكن الجديد في هذه الحملات إضافة إلى ما تدره من أموال في الخزينة إما غنيمة أو إتاوة مفروضة  قسرا على القبائل المهزومة  ، هو ظهور تجارة جديدة تمثلت في فتح سوق للنخاسة إذ أصبحت المدينة مهوى تجار البشر من كل الأصقاع خصوصا البرتغاليون واليهود على حد سواء. وقد تعاطى الضباط و النبلاء لهذه التجارة إما عن طريق أخذ نصيبهم من الغنائم أو عن طريق الشراء المباشر في سوق المدينة .

 فنشطت بذلك حركة التجارة وازدهرت  سوق السفن الرابطة بين مينائي آسفي و أزمور و موانئ جزر الكناري و أصيلا و المملكة  البرتغالية. كما خلقت هذه التجارة نوعا جديدا من التجار أمثال موشي و مهران و يوحنا و بيير موراب و غيرهم .

وأمام الاكتظاظ الهائل من الأسرى والسبايا في المدينة و نظرا لضيق هذه الأخيرة بسبب الأشغال الجارية فيها تم تجميع هؤلاء في معسكرات بالضواحي قرب إحدى الغابات المحروسة بعناية و المحاطة بمتاريس يصعب تجاوزها . فكانت التجريدة من الجيش تقدم كل صباح إلى المعسكر تأخذ عددا محددا من الأسرى يتم بيعه في السوق داخل المدينة . وفي كل صباح كان يقف التجار ينتظرون نوعية التجارة القادمة ؛ فوق منصة صغيرة كان صوت الدلال موشي يرتفع بين الجموع و يقف بجانبه عدد من الرجال و النساء والأطفال المعروضين للبيع.

ـــ تقدموا أيها التجار ؛ تقدموا ...لدينا اليوم ما تقر به أعينكم و يفتح شهيتكم...هيا تقدموا

كانت الأسعار شبه محددة على أن يراعى السن و مستوى الجمال بالنسبة للإناث ، وهكذا لا نجد الإقبال إلا كانت أعمارهن تتراوح ما بين عشر سنوات وخمسة وعشرين سنة.أما الحسناوات منهن وذوات القد الممشوق فقد يصل ثمنهن إلى أربعين تورتيس حسب العملة البرتغالية بينما لا يتجاوز ثمن الغلام ستة عشر تورتيس . فجني التجار أرباحا خيالية نتيجة وفرة اللحم البشري و رخصه في المدينة و كثرة الطلب عليه في البرتغال إذ كانت الأثمنة هناك تتراوح مابين ثلاثة آلاف إلى خمسة عشر رايس .

و كعادته كان نونيو ، الذي لا يهدأ له بال ، يقوم بجولته الصباحية متفقدا السوق و الميناء و أشغال البناء و حركية الجنود والحراس ؛ وبينما هو أمام باب الشعبة إذا بسيدي احبيبي يقف أمامه بدابته و معه زوجته :

ـــ أيها القائد ، هذا أوان الرحيل ، و جئتك لتفي بوعدك.

ـــ نعم تذكرتك أيها الرجل ،..... ألا تبقى معنا موفور الكرامة ، مرهوب الجانب و بإمكانك أن تقول ما شئت كما كنت من قبل أو أكثر....... إبق معنا و لن يمسك أي مكروه .

ـــ لقد قضى الله أمر كان مفعولا ، إني أرى الناس غير الناس والوجوه قد تبدلت ، ولن أجد لسلعتي أي طالب ،..... إذن فلا مكان لي بينكم .

ـــ لك ذلك، ولكن خذ دابة أخرى تعينك على السفر فواحدة لا تكفيكما  .

ـــ ذاك مال مغصوب و كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به .

سار سيدي احبيبي و زوجته مسافة من الزمن حتى اعتلى إحدى التلال القريبة من المدينة ثم التفت وبدأ يبكي

ـــ أو تبكي يا حبيب ؟

هز رأسه و أنشد يقول

يا مــن لـــذلَّةِ قــومٍ بعدَ عـــــــزَّتِهِم           أحــالَ حـــالهُمْ جــــورٌ وطُغيـــــانُ 
بالأمــسِ كانُوا مُـلُوكاً في مــنازلــهِم    
      واليـومَ هـم في بــلادِ الكفـرِ عُبدانُ
فـلو تــراهُم حَيَارى لا دليــلَ لهـــــم         عليهِــمْ مِــــن ثيــابِ الـــــذُّلِ ألــوَانُ
يا ربَّ أمٍ وطفــلٍ حِيــلَ بينهُـــــــــما         كـمـــا تُــفــــــرَّقُ أرواحٌ وأبــــــدانُ
وطفلـةٌ مثـلَ حُسـنِ الشمــــــــسِ إذ         طلعـت كأنَّما هي ياقــوتٌ وَمَرجـــانُ
يقودُها العِلْـجُ للمكــروُهِ مكـــــرَهــةً         والعــــينُ باكيـــةٌ والقَـلـبُ حيــــرانُ
لمثلِ هـذا يبكِي القــلبُ مِن كَمـــــــدٍ         إن كـــانَ في القَلـبِ إســلامٌ وإيمــانُ

لم يكد نونيو أن جولته الصباحية حتى وصلت الأخبار إلى مسامعه بأن بادية الشياظمة قد جمعوا أزيد من ثمان مائة محارب عند وادي تانسيفت يريدون الهجوم على حصن أكوز ، فكلف لوب بريغا بالسير إليهم على عجل في جمع كبير من المقاتلين برفقة يحيى بن تاعفوفت .

لم يصمد جيش الشياظمة طويلا فشتت بريغا شملهم و هزمهم ثم أذعنوا له بالولاء ، لكنه توغل أكثر إلى تخوم جبل الحديد . كان الفصل ربيعا مشمسا وهبات النسيم تزيد الجو رونقا فيما كانت تلال الشياظمة مكسوة ببساط أخضر مزهر بكل أنواع الأزهار من الأقحوان و الياسمين و غيرهما  و الفراشات تحط عليها في سباق محموم مع أسراب النحل التي بدأت تتكاثر و تزداد أعشاشها البرية في هذه الفترة من السنة .

كان المدني يبتسم كلما رأى حيوية غير معهودة في أبيه بوشعيب ؛ اهتمام بالهندام ، تشذيب و تخضيب للحية و اعتناء بالنفس و الجسد . في هذا الصباح استيقظ المدني باكرا و توجه إلى السوق لقضاء بعض الأغراض. كان السوق شبه فارغ من مرتاديه ، وكانت الأنباء تدور حول تقدم قوات يحيى إلى تخوم الشياظمة و هزمها لجيش الشيخ أكوم و استسلام قبيلته للبرتغاليين مع التزامهم بأداء الجزية ، وأنه من المحتمل توغلهم داخل الشياظمة . غير أن بوشعيب لم يكن يعنيه شيء من هذا الكلام ، فقد كان كل همه منصبا على عرسه الليلة ....

مر العرس كما يحب المدني و يشتهي و انفض جمع المدعوين و بات  بوشعيب مع زوجه كأفضل ما يكون العروسان ليلة عرسهما ، فلم يوقظه إلا الصراخ و العويل في أرجاء الدوار . فقد فاجأتهم قوات يحيى و بريغا قبل شروق الشمس و أخذتهم على حين غرة .

انفضت المعركة عن خسائر بالجملة في الأرواح و الممتلكات .ولم يتحمل بوشعيب هذه الصدمة العنيفة التي هزت أركانه إذ أسرت زوجته و ابنه المدني  بينما قتلت أم الخير و بقي الصبي محمد متعلقا بتلابيب جده وهو يبكي . جن جنون بوشعيب و غادر الديار باحثا عن عائشة .

تناهت أخبار الغزو البرتغالي إلى مسامع الشيخ المحجوب و السي البشير فقررا الاحتماء بجبل الحديد و كهوفه غير عبد الله فقد بقي في أطراف القبيلة لغرض في نفسه رافضا الإفصاح عنه . لحقت قوات بريغا و يحيى بالنازحين إلى الجبل لكن كثرة أشجار الأركان وصعوبة المسالك أنقذت القبيلة من الخراب .

عادت القوات البرتغالية من حيث أتت و بقي مبارك مع تلة من الفرسان يراقبون تحركات الغزاة . و في سكون الليل و ظلمة الجبل تسللت حادة من بين الجموع حاملة كل ما استطاعت من أموال و جواهر و حلي فوق ظهرنا و انسلت دون أن يشعر بها أحد . لكن سؤالا فاجأها مع خيوط الفجر في أحد .

ـــ إلى أين يا امرأة ؟ و من تكونين ؟

ـــ هل أنتم من جنود سيدي يحيى ؟

ـــ نعم نحن من جنوده ؟ هل من خبر عن قبيلة الشيخ المحجوب ؟

ـــ أرأيتم إن دللتكم عليهم أكنتم مطلقي سراحي ؟

ـــ أخبرينا أين هم ؟

لم تكن تدري حادة أنها تحفر قبرها بيدها حين كانت تنعت لمبارك و بقية الفرسان مكان اختباء قبيلتهم . ولم تصمت من الكلام إلا حين انتهرها أحدهم بأن تتقدم في نفس الطريق الذي رسمته لهم . ازدادت حيرتها و لم تنطق بعد بأي كلمة ولسان حالها يقول انتهى كل شيء يا حادة ، ذهب المال و ذهب العمر كله...

بعد وصول مبارك و أصحابه و بعد تدارسهم للموقف نادى الشيخ المحجوب بالرحيل و العودة إلى الديار.

بعد عودتهم للقرية صلى رجالاتها العصر وجلسوا يتداولون في أمر حادة وهي جالسة أمامهم 

ـــ من تكونين يا امرأة ؟ و لم فعلت ما فعلت ؟ و ما هذه الرزم التي تحملين ؟

ـــ لا شأن لكم بمالي .....

ثم ارتمت على رزمها تحوزها إليها

ـــ أتقولين مال ؟

انتزع مبارك الحزم من حادة فشق الكبرى فإذا بالمال يتدفق أمام الرجال ، فاندهش الجميع ثم شق الباقي فتناثرت المجوهرات و الحلي من ذهب و فضة فوق حصير المسجد .

ـــ من تكونين أيتها المرأة ومن أين لك بهذا المال ؟

حاصروها بالأسئلة فانهارت باكية و اعترفت بكل شيء.

أرسل الرجال في طلب أم هانئ و زهرة ، وقبل حضورهما دخل بوشعيب المسجد أشعت الرأس متسخ الثياب أغبر القدمين يمسك في يده سبحة كبيرة و حفيده محمد متعلق بتلابيبه . هرع بوشعيب ناحية حادة و قال :

ـــ هل وجدتم عائشة ؟ هل وجدتم عروسي ؟

أخذه السي البشير من ذراعه و قال

ـــ يا رجل ، لا يليق بك أن تتصرف هكذا ،  فهذا قدر الله فلتصبر و لتحتسب

ـــ ألا تراني صابرا ...... ثم إني لا أبحث إلا عن زوجتي ألا توجد عندكم ؟

ـــ هل لك في خير من هذه الحال ؟

ـــ و ما هو ؟

ـــ تجلس هناك في ناحية المسجد تذكر الله و يأتيك طعامك و شرابك و تبقى هناك حتى نجد لك عروسك ،و حفيدك سيبقى مع أبنائي حتى يأتي المدني

ـــ فعل حسن طيب ....فعل حسن طيب

ثم اخذ سبحته و انزوى في ركن من المسجد و هو يقول مع كل حبة من حبات السبحة

ـــ الزواج ....الزواج ....الزواج.....عائشة..... عائشة..... عائشة.....

رجع السي البشير عند الرجال آخذا بيد الصبي محمد إبن المدني و هو يقول :

ـــ سبحان الله ....أنا من سميته محمدا و أنا من يكفله الآن .

حبسوا حادة في حجرة تابعة للمسجد وبعد برهة يسيرة وقفت امرأتان أمام الرجال ، فبادرهما مولاي المهدي بقوله

ـــ هل أنتما من بيت القائد عبد الرحمن رحمه الله ؟

ـــ نعم سيدي أنا زهرة ابنته و هذه دادة أم هانئ كانت خادمة عندنا

اندفع مبارك قائلا

ـــ و تملكين الجرأة على الكلام  يا فاسقة ؟

ـــ "إلا من تاب و آمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات و كان الله غفورا رحيما "

هز السي البشير و المحجوب رأسيهما و قال الشيخ

ـــ صدق الله العظيم ،....  أخبرينا الحقيقة يا امرأة  ...

ـــ كنت الوحيدة لدى أبوي ،.... وكنت أحسب أن هذه نعمة ...لكن للأسف صارت بالنسبة لي نقمة ....كان والدي رحمه الله مشغولا عن البيت طول الوقت تاركا أمري لوالدتي ...و هذه الأخيرة غفر الله لها تركتني فريسة لخادمة إسمها حادة.....حادة استغلت سذاجتي و قلة خبرتي في الحياة فزينت لي الرذيلة على أنها مفتاح الحياة ، وجملت لي حياة الخنا على أنها الحب الصادق الذي يؤثث البيوت ...و صورت لي فارس أحلامي ممتطيا جواده لينقذني من صحراء بيتنا الفارغ من كل حنان .... كنت أعتقد أن ما أقدم عليه هو عين الصواب ؛ إذ لا يمكنني أن أتصور أما تدفع بنتها إلى فعل  السوء ......فقد كنت أعتقد أن على كل بنت أن تعمل مثل ما أعمل لتحصل على زوج من نوع خاص ...

سيدي الشيخ و سيدي الإمام ...أنا أستغفر الله عما مضى و أسأله المغفرة لوالدي ...و ما تبقى من القصة فأنتم تعرفونه ...و أنا أمامكم و مستعدة لأي حكم ترونه يحيق بي ....

صمت الجميع لكن أم هانئ بادرتهم بالكلام

ـــ سيدي الشيخ ....لقد اخترنا جوارك و لما نزحنا من آسفي آثرنا الطريق التي سلكها السي البشير لما ذلك من دلالة على تغير ما في نفس زهرة ، وكان بإمكاننا البقاء بالمدينة دون أن يعرفنا أحد أو نرحل إلى مراكش أو أزمور ...... لكني أقول و ربي مطلع علي و حسيب ...لم تعد زهرة عما قالته قيد أنملة .....( تبكي ) لقد منعتها مرارا أن تقتل نفسها ...و ذكرتها بالله بأنه هو الغفور الرحيم ... فقد كانت تحمل نفسها ما وقع من المآسي آنفا ... فزهرة تغيرت كثيرا فهي اليوم صائمة لنهارها قائمة لليلها ترجو رحمته و تخاف عذابه ...

ـــ و الخادمة حادة ، ألا تعرفان مكانها ؟

ـــ لما توفيت يامنة أم زهرة دخلت بيتنا امرأة  منقبة تشبهها إلى حد بعيد ، ولما رأتنا ارتبكت و خرجت مسرعة دون أن تعزيتنا . فأخبرت زهرة لكنها لم تكترث للأمر بل استبعدته تماما و نسيناه معا .

أشار الشيخ المحجوب إلى رجاله أن أحضروا حادة . فلما حضرت لم ترفع إليها زهرة عينا و لم تهتم لأمرها في حين رمقتها أم هانئ بنظرة ملؤها الغيظ والحنق ، ثم أشار إليهم أن أصرفوها حتى يروا رأيهم فيها فهب بوشعيب من مكانه في آخر المسجد يصرخ

ـــ أعطوني زوجتي.....عائشة ...عائشة.. أعطوني زوجتي..... أعطوني زوجتي.....عائشة .....

لكن الشباب سرعان ما هدؤوا من روعه و أرجعوه إلى مكانه . ثم أتوا برزم المال فوضعوها أمام زهرة

ـــ  بنيتي ..هذا المال وجدناه مع حادة وقد أقرت بأنها قد سرقته من مال أبيك...و بما أنك الوريثة الوحيدة ما لم يظهر وريث آخر فهو من نصيبك ، فخذيه فهو من حقك .

ـــ معذرة سيدي الشيخ ،لا حاجة لي في المال .... فلدي ما يكفيني للعيش حتى أموت . أما هذا المال فخذوه و ضعوه حيث ترون موضعه . و حين ترون حكم الله في فأنا على استعداد عسى الله أن يغفر لي ما مضى .

ـــ قومي يا ابنتي غفر الله لنا و لك .

عاد عبد الله من جولته في صبيحة اليوم التالي ، لم يقلق مولاي المهدي على ولده طيلة هذه المدة و هو الذي خبر حياة الترحال و التنقل من الأندلس إلى فاس ثم آسفي فالشياظمة . استراح عبد الله قليلا ثم طلب أن يجلس إلى الشيخ المحجوب و السي البشير و مبارك .

ـــ هناك حملة أسبوعية لجنود يحيى يقودها الغول تذهب إلى سوق جمعة سكياط ، يتراوح عددها بين الثلاثين والأربعين رجلا ، عند عودتهم يستظلون في خوخة على وادي تانسيفت .

ـــ أتريد منا أن نقاتلهم ؟

ـــ كلا ، بل نأسرهم ؟

ـــ كيف ؟

ـــ لن أدخل في التفاصيل و لكن أريد قطيعا من الغنم و عشرة رجال أشداء وأربعون ذراعا من الحبال ، لكني أطلب منكم شيئا آخر أن تكتموا عني الخبر

استغرب الرجال من كلام عبد الله و ثقته بنفسه ، غير أن الشيخ المامون ، إبن عم الشيخ المحجوب ، كان له كلام آخر

ـــ خذ من غنمي ما يكفيك

ـــ و أنا واحد من العشرة

ـــ بورك فيك يا مبارك و لكن أبغنا تسعة آخرين 

حك الشيخ المحجوب صلعته وقال

ـــ وأنا سأتدبر أمر الحبال و إن كنت لا أعلم ما ستقدمون عليه ، ولكن على يقين أنكم ستنجحون .

انصرف عبد الله و مبارك إلى حال سبيلهما بينما بقي مولاي المهدي و الشيخ المحجوب جالسين بينما تمتم السي البشير قائلا

ـــ إنه زمن الشباب يا رجال ...لقد هرمنا ...لقد هرمنا

ـــ هل من أخبار عن الشرفاء بالجنوب يا شيخ ؟

**************

لم يركن نونيو إلى الدعة أو الراحة فتوالت حملاته على القرى و المدن المحيطة بآسفي و البعيدة عنها على حد سواء لإخضاعها و إعادة من أعلن العصيان منهم إلى حظيرة الولاء . و في غياب مقاومة منظمة بات من المستحيل إلحاق هزيمة بجيش البرتغاليين ، خصوصا و أن حملاتهم على القرى كانت تتم في الساعات الأولى من الصباح بل أحيانا قبل طلوع الشمس مع ما يصاحبها من صراخ و صياح لخلق جو من الرعب و الخوف في صفوف الناس .

كما بات في حكم المؤكد أن الحملة القادمة ستكون موجهة للغربية إذ أصبحت أزمور و شواطئها و المناطق التابعة لها مصدر جذب للأجانب . و بات في خلد كل الناس أن أياما عصيبة تنتظرهم في قابل الأيام . وزاد من قسوة الظروف تلك الأخبار التي حملها سيدي احبيبي بعد وصوله إلى الغربية و اتصاله بعمي ادريس و أخيه العياشي .

ـــ صرنا كالأيتام على مأدبة اللئام ....لا يكاد يمر أسبوع حتى تسمع أخبارا تدمي قلبك و تعصر فؤادك ... قبل أيام خضعت قرى بني ماكر و التزمت بدفع الضرائب ، وقبلها تازروت استسلمت هي الأخرى .....و عموما شمال الشياظمة أصبح كله خاضعا للمحتل .

ـــ و هل من أخبار حول المقاومة ؟

ـــ قليلة هي الحملات التي لم تكلل بالنجاح ، لكن الأدهى أن يتواطأ الشيوخ و القواد مع المحتل بأخذهم لرشاوى تافهة جدا ....شيخكم ميمون أهانكم كثيرا... فقد قبض ثلاثة أمتار من الكتان فقط  ؟.... ليتها كانت رشوة كبيرة لهان الأمر .... ثم كيف يعقل أن يبيع حسون شيخ عبدة بلده بأحمال من التين المجفف ؟.... أيهون عليك أن تبيع كرامتك بنصف رطل من القرنفل ؟ أنا لا أكاد أصدق ....و لكن اللئيم بن زميرو فعل في نفوس الشيوخ بالمال في سنة واحدة ما لم يفعله المدفع طوال السنوات الماضية . 

ـــ و هل هذه أخبار موثوقة ؟

في هذه الأثناء انضم إليهما عمر و صالح .

ـــ لقد أصبحت القبائل مجرد دمى تحركها أيدي الشيوخ أنى أرادوا .

ـــ و ماذا عنا نحن ؟ أقصد ما كنا قد بدأناه بآسفي ؟

ـــ يا عمر،... الأمر يحتاج إلى تفكير و ترتيب ...و لا ننس السي البشير ومن هاجر معه إلى الشياظمة .

ـــ لو سمحتم لي بالكلام ؟ الأمر كما قال أبي يحتاج إلى ترتيب . و أوله و بدايته دراسة و رصد خطط العدو ...كيف يتحرك ؟ من أين يتحرك ؟ ما هي نقط ضعفه ؟ ما هي نقط قوته ؟ كم عدد قواته التي يهاجم بها ؟ مم تتكون ؟ من يسانده و يدعمه ؟ من أين يأتي بالتموين ؟

ـــ الأمر الثاني أيها السادة لابد من تنظيم صفوف المقاومة عددا و عدة ، ثم التنسيق مع السي البشير و من معه في الشياظمة حتى يكون لعملنا استمرار و قوة .

ومن أين نأتي بالمال ؟

ـــ سيتكلف كل فرد منا بمهمة . ستذهب أنت يا صالح مع عمر إلى الشياظمة و ابحث الموضوع مع السي البشير و من معه .أما أنا  أخي العياشي  فسنتكلف بجمع المال . سيدي احبيبي استرح قليلا فأنت ما تزال مريضا .

ـــ أنا بخير.... و لكني سأرافق عمرا و صالحا ، فقد اشتقت للسي البشير و مولاي المهدي . اشتقت للأيام الخوالي .

في صبيحة اليوم التالي و بينما كان الرجال يعدون ركائبهم جاء الخبر باقتراب الجيش البرتغالي من المدينة . إذ وصلت الأخبار إلى الناس مما فوت عليهم فرصة الإنقضاض السريع على الغربية كما هو شأنهم في سابق الحملات . كانت المدينة قد أغلقت أبوابها و استعد رجالها بما فيه الكفاية .

لم يدم الحصار طويلا إذ سرعان ما فتحت أبواب المدينة وخرج رجالها إلى قتال عنيف مع المحتل .و في خضم المعركة كما راجت أخبار مفادها أن مولاي ناصر قريب من الغربية مما خلق بلبلة لدى البرتغاليين فانسحبوا واستطاعوا أن ينفذوا بجلودهم إلى آسفي من هول ما لاقوه من فرسان الغربية .

غير أن نونيو لم يكن ليستسلم لمثل هذه الهزائم المحدودة ، فما يطلبه البلاط البرتغالي أكثر مما يجب القيام به و من وراءه الكنيسة بروما . كما أن انتصارات يحيى بن تاعفوفت في البادية كانت تثير حفيظة نونيو ومن وراءه بن زميرو و آخرون ، مما حدا به إلى تكتيف حملاته على التخوم الشمالية والشرقية لدكالة ضاربا إياهم بقوة جعلت بقية القبائل تقبل على أداء الضرائب و هي راغمة ، كما سلك معهم الترهيب  كالتشهير و النكاية بمن ظفر به مثلما فعل مع رأس با حماد المزودي الذي بقي معلقا على باب الشعبة عدة أيام حتى افتدته القبيلة بمال عظيم و استسلام مهين .

غير أن يحيى لم يكن بأحسن حالا فقد تلقى صفعة قوية بعد اختفاء سرية بأكملها في ظروف غامضة. لم يصدق الأمر في بدايته و لم يصدق كذلك أفراد قبيلة الشيخ المحجوب أعينهم وهم يرون ثلاثين رجلا مكبلين و مقيدين و قد نزعت عنهم ملابس الخدمة العسكرية و السلاح .

تجمهر الناس في ساحة القرية وهم يرون العجب العجاب . لم يصدقوا أعينهم و هم يرون الغول و اليد اليمنى الباطشة ليحيى مكبلا و جاثيا على ركبتيه في منظر مهين يطلب جرعة ماء . وفي المقابل  تجمهر الشباب حول عبد الله و هم ينظرون إليه نظرة إعجاب و إكبار بينما تقدم الشيخ المحجوب من رجاله و قال

ـــ بورك فيكم من رجال .....هكذا تكون همة أبناء رجراجة الأحرار

ـــ إنه عبد الله يا شيخ ، نحن نفذنا ما طلب منا فقط .

ـــ لا يا عم ..ما أنا إلا فرد بينهم و لا يغني الفرد عن الجماعة شيئا .

تقدم السي البشير من الغول و أخذ بلحيته و قال

ـــ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

تعالت الزغاريد في القرية و شاع الخبر و جاء بوشعيب يجري نحوهم

ـــ هل وجدتم عائشة ؟  ....هل وجدتم عائشة ؟

بعد صلاة المغرب امتلأ المسجد على غير عادته  ، فصعد الشيخ المحجوب ثم السي البشير المنبر فأثنيا على الرجال ثم فسح المجال للرجال لبسط تفاصيل ملحمتهم فقال عبد الله

ـــ انتظرنا مرورهم نحو جمعة سكياط  فدفعنا بالغنم على طريق عودتهم و بالضبط عند شجر ظليل يستريحون فيه عند عودتهم .ولما حان وقت وصولهم ذبحنا خروفا سمينا و جمعنا حطبا كثيرا وبدأت أقلبه فوق الجمر ، وما هي إلا لحظات حتى حلت ركائبهم في جنبات الوادي .

ـــ و ما الذي حصل ؟

ـــ تقدم رجال الغول فأخذوني من عضدي و سحبوني إليه ، ارتعدت فصائلي في بداية الأمر ، لكني تمالكت سألني من أكون فنسبت نفسي لرجل من أهل الشياظمة كثير المال ، لكنه لا  يعترف بسلطة يحيى ويعتبره خائنا و عميلا للبرتغال. هم رجاله بضربي فهددتهم بأني سأشكوهم لرجل قوي من رجالات يحيى يدعى عبد الجليل يهابه الكل و له صيت كبير و رهبة في نفوس الرجال و لو كان معهم لما تجرأ أحد على ضربي . فطرب الرجل و لما سألني عن الخروف قلت هو غذائي و عشائي نكاية في الرجل صاحب الغنم  . كما قصصت له حكاية من نسج الخيال عن ظلمه و تجويعه لي و ما إلى ذلك . تكفل بقية الرجال بالخروف بينما استرسلت في المستملحات و المستظرفات وكان كل كلامي منصبا على النساء و هو يضحك ملأ شدقيه . ولما حان وقت الغذاء انسحبت لكني همست للغول بكلمة في أذنيه أطربته و هز رأسه موافقا .

ـــ ما هي الكلمة ؟ ماذا قلت له ؟

اهتز المسجد رغبة في سماع الكلمة

ـــ قلت له سأصنع لكم شرابا مقويا بالأعشاب و العسل .استطاب الرجل الأكل و الراحة فأخرجت من جرابي أعشابا كان قد جمعها مبارك ،  أنتم تعرفونها.... تصيب الإنسان بالهلوسة و النوم . أعجبهم الشراب المحلى و صاروا يطلبون المزيد والمزيد ،  بقيت زمنا انتظر فعله فيهم . نام القوم بعدما خرفت عقولهم وأضحى الهذيان لغة الحوار بينهم تتخلله قهقهات قوية ثم تلاها رقاد فشخير . فصرت أقلبهم ذات اليمين وذات الشمال بل كنت أطأ برجلي على بطن الرجل فما يحرك ساكنا لفرط شربهم . آنذاك ناديت على الرجال فكان من أمرهم ما رأيتم .

ارتفعت الأصوات في المسجد بالتكبير و الدعاء ابتهاجا بهذا النصر، ثم قام مبارك بعده فأثنى على عبد الله و الرجال الذين شاركوا و قال

ـــ أيها الناس ، سيصل هذا الخبر إلى مسامع يحيى و بالتأكيد ستكون له ردة فعل قوية ، فلنستعد للأمر كأنه واقع غدا

ساد الصمت أركان المسجد و طأطأ البعض رؤوسهم  و لسان حالهم يقول ماذا جنى علينا عبد الله ؟ غير أن شابا وقف في وسط المسجد و صاح مبددا الوجوم الرابض على وجوه القوم

ـــ و نحن لكل خائن بالمرصاد ... نحن على استعداد للدفاع عن أنفسنا و أهلينا و قبيلتنا ..ضعوا ثقتكم فينا ،نحن معشر الشباب ، و سترون منا ما تقر به أعينكم ..فلسنا نهاب الموت ...فلا عاش الجبناء ...فلا عاش الجبناء ...

ثم تبعه شباب آخر ، فاهتز المسجد من جديد بالتكبير . غير أن عبد الله وقف مجددا و قال :

ـــ يا شباب القرية ....هذه أيام الربيع و فيها يفرخ النحل و تكثر أعشاشه و أنا أطلب منكم أن يجلب كل فرد منكم خلية يضعها رهن إشارة القرية و شبابها .

في صبيحة اليوم التالي كانت ساحة القرية قد غصت بالشباب و الرجال كل يريد له موطأ قدم في قابل العمليات . و بدت القرية كخلية نمل لا تكف عن الحركة و التدريب من محارب بالسيف و رام بالنبل إلى مصارع. وقف الشيوخ الثلاث و هم ينظرون في اندهاش كبير ثم علق الشيخ المحجوب .

ـــ أي روح بعثها عبد الله في هؤلاء الشباب ؟

ـــ ألم أقل لكم إننا هرمنا ...؟

لم يستطع السي البشير أن يكمل حديثه حتى وقف أمامهم ركب مكون من سيدي احبيبي و عمر و صالح ، فصارت الفرحة فرحتان .

بعد مراسيم الاستقبال و حفاوة الترحيب تعجب الوفد مما رأوه في ساحة القرية . فأخبروا بما جد من أحداث فسروا لما سمعوا و استبشروا خيرا لما رأوا .

في قلعة أكوز كانت حدث اختفاء الغول ومن معه  هي الشغل الشاغل لجميع المحاربين . فكثرت بذلك التأويلات ، فمن قائل أنه انضم إلى الهنتاتيين و آخر اعتبر غيابه رفضا لما يقوم به يحيى و انه اختار الإنحياز إلى جيش الشرفاء بالجنوب و آخرون اعتبروا أنهم اختفوا في رمال متحركة بوادي تانسيفت . كما تناهت إلى مسامعهم  بأنهم بيعوا في أسواق فاس و أنها أخبار غير موثوقة و غير مؤكدة .

ظل الحال على ما هو عليه من شح في المعلومات و تضارب في التأويلات . وأمام هذا التحدي الجديد أراد يحيى أن يغطي على هذا العجز بحملة قوية داخل أراضي الشياظمة تعيد الهيبة للتواجد البرتغالي بالمنطقة ، آخذا بعين الإعتبار أن مثل هذه الأخبار و أخرى عن معركة الحجارة التي ذاق مرارتها البرتغاليون على يد قبائل الشرقية ، قد بدأت تشجع الناس على المقاومة وتعيد الثقة إليهم مما يهدد بعصيان عام من قبل القبائل الخاضعة لهم . فكان له ما أراد إثر تحرك مولاي ناصر صوب جبال بني ماكر في حركة غير محسوبة العواقب انتهت بهزيمته و انسحابه تاركا وراءه أزيد من أربع مائة أسير و العديد ومن الغنائم.

أرخت هذه الهزيمة بظلالها على الوضع القاتم داخل الأراضي المغربية . كما هزت كيان الهنتاتيين الذين لم تكن حساباتهم صحيحة إسوة بالوطاسيين بفاس . فقد كان الطرفان ينطلقان من كون البرتغاليين إنما يستمدون قوتهم من القبائل الخاضعة لهم ، وإذا تم تحييد هذه القبائل و تأديبها فإن شوكة المحتل ستنكسر. غير أن القبائل كانت تنظر إلى التحركات الوطاسية و الهنتاتية على أنها وعود و جبي للضرائب ليست إلا . ثم يتركونهم فريسة للمحتل دون أي دعم عسكري أو معنوي ، مما حذا بأغلبية القبائل إلى الفرار إلى الجبال كلما اقترب موكب الهنتاتي أو الوطاسي من مناطق تواجدهم.

كما ساهمت الصراعات بين قبائل الغربية و مشنزاية و أولاد سبيطة و أولاد عمران على مناطق الحرث والرعي وكذا  الضغط الذي مارسته الشياظمة و مشنزاية على عبدة بسبب رفضها المشاركة في حصار آسفي ، في احتماء القبائل المتضررة بالمحتل وقبولها الخضوع و أداء الضريبة مقابل سلم و حماية يحصلون عليهما حفاظا على أرواحهم  وممتلكاتهم .

كانت هذه الأحداث تصب في مصلحة نونيو الذي كان يسعى إلى استثمار هذا النصر إلى أقصى مدى ممكن ، مستغلا المكانة التي أصبح يحظى بها بن زميرو لدى القبائل .

ـــ عزيزي أبراهام ، سأرسلك في مهمة إلى مراكش.... مهمة في غاية الأهمية ....أريدك أن تعقد لي صلحا مع الأمير ناصر

ـــ إلام ترمي أيها القائد ؟

ـــ أريد أزمور .

طأطا أبراهام رأسه إلى الأرض بعدما كان يملي النظر في جارية جميلة بيعت لأحد التجار البرتغاليين في المدينة .

ـــ أيها القائد .....

ـــ لا تكمل أبراهام ...ستقول أنك قمت بمهمة سابقة كللت بالنجاح ، أعني دار الفارس ،...... و لم تنل  نصيبك منها ، و ستقول أيضا أنك أصبحت المفضل لدى القبائل في المفاوضات ، و هذا أمر واقع ، و أننا في حاجة ماسة إليك و أنا أوافقك الرأي،..... و لكن دعني أقول لك شيئا مهما أيها المفاوض الخبير .  دار الفارس لا تعني لي شيئا البتة  .... لكن أزمور هي مرادي ،..... أريد أن يبق ناصر على الحياد في حربي مع الوطاسيين  ... وبعد أزمور سأضع مملكة مراكش بين فكي كماشة ، وإن أفلحت فلك مني ما تريد .

لم يرفع أبراهام نظره عن الفتاة مما أثار انتباه نونيو فنادى على الدلال

ـــ ميمون.....لمن تلك الجارية ؟

ـــ اشتراها بيير لوبيز

ـــ أعد إليه ماله و قل له إن القائد نونيو يريدها له .

استدار أبراهام نحو نونيو وقال

ـــ صدق من قال فيك: يا لك من خبيث.....

ضحك الاثنان ثم مضيا على فرسيهما للجولة المسائية التي يقوم بها القائد نونيو فهي ذات أهمية خاصة بالنسبة إليه ، فهي تأمين و حماية  و تفقد .

ـــ قل لي ماذا ستفعل بشأن اختفاء الغول و من معه ؟                                 

أوشك السوق أن ينفض و أن تنتهي مراسيم البيع و الشراء في اللحوم البشرية ، كما قاربت الشمس على المغيب و بدأت المدينة تغلق أبوابها منكفئة على نفسها ، حابسة أنفاسها داخل أسوارها الجديدة و أبوابها الضيقة التي لم تكتمل بعد مؤذنة بقدوم ليل يحمل في طياته ما بعده . فقد باتت تجارة البشر تدر الأموال الطائلة على الخزينة البرتغالية و كان الأسرى يقتادون إلى مخيمهم بغير ذنب سوى عجزهم عن دفع الضرائب المفروضة عليهم أو أنهم قدموا في تجارة إلى المدينة فنهبت السلعة وبيع الرجل في أقسى دركات المهانة والمذلة .

************

في مساء اليوم التالي و بعد صلاة العصر كانت القرية على موعد فريد لم تعهده و لم تألفه من قبل  . فقد تقدم مولاي المهدي و السي البشير بطلب إلى سيدي احبيبي أن يعيد إحياء ذكريات آسفي في قرية الشيخ المحجوب :

 سبحان من قسم الحظـوظ       فلا عتاب ولا ملامـــــــة
  أعمى وأعشــــى ثـــــم ذو       بصر وزرقاء اليمامــــة
  ومســــدد أو جــــــــائر أو      حـــــائر يشكو ظلامــــــة 
  لولا استقامـــــــة من هداه       لما تبينت العلامـــــــــــة
  فالعيش في الدنيا الدنيــــة      غير مرجو الإدامـــــــــــة 
  من أرضعتــــــه ثديهـــــــا      في سرعة تبدأ فطامــــــه 
   من عز جانبــــه بهـــــــــــا      تنوي على الفور اهتضامه 
  وإذا نظرت فأين مـــــــــــن      منعته أو منحت مرامـــــه 
   ومن الذي وهبته وصــــــلا     ثم لم يخش انصرامــــــــه 
   قعدت به من حيث لــــــــــم     يعلم فلم يملك قيامــــــــــه
   أين الذيـــــن قلوبهــــــــــم      كانت بها ذات استهامــــه 
    أين الذين تفيئـــــــــــــــــوا      ظل السيادة والزعامـــــــة 
    أين الملوك ذوو الرياســـــة     والسياسة والصرامـــــــة
     أين الرشيد وأهلـــــــــــــــه      وبنوه أصحاب الشهامــــة
     ووزيره يحيى وجعفـــــــــر      ابنه الراوي احتشامـــــــه 
      أم أين عنترة الشجـــــــاع       أو أشعب وأبو دلامـــــــــه
      أين الذين هاموا بسعـــــدى      أو بثينة أو أمامــــــــــــــه 
       وبكوا لفرط جواهــــــــــــــم     والليل قد أرخى ظلامــــــــه 
      فالعمر مثل الضيــــــــــــف      أو كالطيف ليس له إقامــة
      والموت حتم ثم بعـــــــــــد       الموت أهوال القيامــــــــة
      والناس مجـــــــزون عـــن        أعمال ميل واستقامـــــة 
       فذوو السعادة يضحكـــــون        وغيرهم يبكي ندامــــــــة 
       والله يفعل فيهـــــــــــــــــــم       ما شاء ذلا أو كرامـــــــــة
       ويشفع المختار فيهـــــــــم       حين يبعثه مقامـــــــــــــــه

       قد فاز بالرضوان عبــــــــد       كانت الحسنى ختامــــــــــه

ثم مضى سيدي احبيبي يتحدث في الناس عن الدنيا الفانية و كلهم آذان صاغية، فما أحسوا بشيء حتى ارتفع أذان صلاة المغرب

**************

ما إن وصلت الشمس كبد السماء حتى ظهر في الأفق مجموعة من الفرسان على ثناياهم النقع يقودهم فارس ضخم الجثة ، عريض المنكبين ، ذو لحية كثة وغير مشذبة ، لا يتجاوز الأربعين من عمره . حط القوم رحالهم فتقدموا  للسلام على عبد الرحمن مول البركي تباعا ، الحسين بن كرارة و عزوزــ الأخ الأصغر للشيخ ــ و عبد العزيز بن يفو و الملقب بمول البيبان  ثم تبعهم باقي الفرسان ، إذ كانوا يكنون له احتراما كبيرا و له في أنفسهم هيبة عظيمة

ـــ ما هي الأخبار ؟

ـــ سيدي ، هاجمنا باب الشعبة عند شروق الشمس ، بينما هاجم الطاهر بن الكبير باب الرباط  و الفرقة الثالثة بقيادة مول البيبان باب البحر ،انتظرناهم حتى فتحوا الأبواب ، فانهمرنا عليهم كالسيل الجارف أصبنا منهم و الحمد لله عددا لا يستهان به ما بين قتيل و جريح ، ثم انسحبنا على عجل قبل أن ينظموا صفوفهم .

ـــ سيدي ، لقد أبلى بن كرارة البلاء الحسن في تنظيم صفوفنا و كذلك باقي الفرسان .

ـــ أعرف الحسين جيدا لقد خبرته في المعارك السابقة

ـــ سيدي ، إنما أنا واحد من المجاهدين لا غير ....

ـــ ما هي أخبار إخواننا في الخندق ؟

ـــ لا زالت الأشغال جارية فيه ، سيدي ، و لولا الألطاف الإلهية لكشف الغنيميون من قبل دورية برتغالية ، حيث وجدوا صعوبة في إخراج التراب من الخندق إذ أن لون التراب المستخرج لا يشبه الأراضي الفلاحية القريبة منه . مما أثارا شكوكا لدى قائد الدورية غير أن نباهة أحد المجاهدين جعلتهم يغيرون مجرى الحديث ، فانصرفوا دون أن يدققوا في الأمر.

ـــ وفق الله إخواننا الغنيميين ، إنهم من الصحراء ، بلدة طيبة و نسل مشهور

كان مول البركي ذكيا للغاية مما مكنه أن يحل العديد من المشاكل التي تعترض المجاهدين . و كانت له صولات و جولات في جهاده ضد البرتغاليين .

ـــ غدا سنكاتب المدعو بن تاعفوفت لعله يتوب إلى الله و يتراجع ، سنعذر فيه إلى الله  .... اذهبوا و استريحوا ...فإذا كان الغد اجتمعنا على مائدة الإفطار.

في هذا المساء وصل عمي ادريس و أخوه العياشي إلى حيث يعسكر مول البركي و رجاله بعيدا عن المدرسة ،و ذلك  في أولى خطواتهما لجمع المال من أجل شراء السلاح و تجهيز الجيوش لمحاربة البرتغاليين ، ثم تتابعت تحركاتهما بزيارة أزمور و بولعوان كما كاتبوا السلطان الوطاسي في نفس الأمر . وقد كانت هذه التحركات تتكلل مرة بالنجاح وأخرى بالوعود دون شيء يذكر ؛ غير أن ما بقي راسخا في ذهن الأخوين هو ما حباهما به مول البركي من حفاوة الاستقبال و كرم الضيافة وإجابته الفورية لما يطلبان .                                                                           

ـــ لدي ما يكفيكم من المال و الرجال و نحن رهن إشارتكم ، فقط أبلغوني باكرا حتى أجهز أمري و أستحث رجالي .

في صباح الغد على عمي ادريس أن يبسط طلبه أمامهم مجددا :

ـــ هؤلاء هم خيرة رجالنا و فرساننا و إنما طلبت حضورهم حتى يعرفوا أن لهم إخواننا في أرض دكالة والشياظمة وعبدة ، يجاهدون بالغالي و النفيس و يحاربون المحتل الغاصب .

ثم حدثهم عمي ادريس بما يقومون به هذه الأيام وأن وفدا منهم يجتمع الآن مع وجهاء الشياظمة من أجل تنظيم المقاومة و وابتكار أساليب جديدة و البحث عن الدعم اللازم لتنفيذ مخططاتهم و الرامية إلى تحرير البلاد .وأنهم الآن مجتمعون يناقشون أفضل السبل لتحقيق ذلك .

ـــ أرى و الله أعلم أن ترتيب بيتنا الداخلي هو أولى أولياتنا بدءا باختيار قيادة موحدة بدل تعدد القيادات،  و أن تكون حملاتنا مركزة على القوة الضاربة عند البرتغال و أعني بن تاعفوفت .

ـــ إن سمحت شيخي المحجوب والمحبوب في آن واحد ،  فإن القيادة الموحدة تقتضي الجبهة الموحدة و جبهاتنا متعددة و متباعدة هنا الشياظمة و هناك عبدة و دكالة وأولاد عمران و غيرهم ، فيصعب و الحالة هذه التنسيق بين الجبهات على مستوى قيادة واحدة .

ـــ نعم ما قلت مولاي المهدي؛ ننسق في الأمور العامة و لكل منطقة خصوصياتها....ما رأيكم يا شباب ؟

ـــ يا سادة ؛ يجب أن نضربهم في مقتل ....أرى أولا أن نغتال قادتهم و كل من يدور في فلكهم ،  فإن فعلنا فإن عقدهم سينفرط تباعا .....

ـــ أجل يا عمر، ثم لماذا نزرع ما يسلبونه منا كل سنة ؟ ...ألا يجب أن نمنع عنهم الميرة حتى تنكسر شوكتهم ؟

ـــ فلنحرض القبائل إذن على أن يزرعوا ما يكفيهم و أن يحصدوه و يخزنوه قبل حملات الجباية والتحصيل

ـــ مهلا يا سادة، هذا جيد ولكن ماذا عن حملات البرتغاليين ؟ ....أعني بماذا نواجههم ؟ وماذا عن الأسرى ؟

تسائل السي البشير و هو يجدد جلسته ملتفتا إلى عبد الله و عمر

ـــ يا عم ، ليست لنا جيوش منظمة  ، و إنما هي جماعة من المجاهدين دون تدريب و دون تخطيط ، و لكني أميل إلى استخدام الكمائن و الحيل أكثر و أميل أيضا إلى مكاتبة الشرفاء بالجنوب بل و الذهاب إليهم .

ـــ ولا ننس الهنتاتيين بمراكش وحتى الوطاسيين أيضا و لم لا ؟

ـــ لا تطلب الحياة من ميت و لا الشجاعة من جبان ولا الصدق من كذاب.

استمرت نقاشاتهم ردحا من الزمن و قبل أن ينفض الجمع جاء البشير لمبارك أن قد ولد لك غلام . فاهتبلها السي البشير و قال

ـــ أبشروا أيها الناس ....فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن .

جاءت الأخبار في صباح اليوم التالي

ـــ خرج يحيى و لوب بريغا يريدان الشياظمة تأديبا لهم على اختفاء الغول و من معه .

ـــ و هل من أخبار عن دكالة و باقي المناطق  ؟

ـــ هاجم نونيو دواوير أولاد مطاع التسعة فأباد رجالهم و غنم أموالهم و سبى نساءهم ، وهو الآن يباعون في أسواق النخاسة . كما هاجم بريغا حصن أماكوار على غرة ، حيث فر الشريف أحمد،  فقتلوا منهم الكثير و قضى الباقون نحبهم بين الصخور، أما السبايا فحدث و لا حرج .

ـــ الأوغاد..... يجب ألا ندعهم يصلوا إلينا

ـــ كيف ؟

ـــ ستعرفون في الوقت المناسب

********

وقف نونيو دي أتايد رفقة رئيس الوكالة و بن زميرو موسى بالقرب من السرير الذي يرقد عليه بريغا . لم يستطع أن يفتح عينيه إلا بصعوبة بالغة. كان وجهه منتفخا للغاية و لسانه لا يقوى على الكلام . بادره نونيو بالسؤال عن صحته ثم أردفه بسؤال آخر عما وقع لهم

ـــ أيها القائد ، لا أدري ما أقول ،.... لما وصلنا إلى وادي تانسيفت ، وفي مكان به شجر متناثر على ضفتيه سمعنا أزيزا كثيرا، لكننا تقدمنا دون أن نعير الأمر أي اهتمام ، وما توسطنا الوادي حتى تحرك الشجر بقوة كأن عاصفة هبت لتقتلع جذوره ، آنذاك هجمت علينا أسراب من النحل لا تعد ولا تحصى فهاجت الخيل و ماجت ، وفرت في كل اتجاه بعدما رمت الجنود من فوق ظهورها و تركتهم فريسة للسعات النحل القاتلة .

ـــ و كيف نجوت ؟

ـــ التصقت بظهر فرسي و حمتني الخوذة التي كنت أضع على رأسي . فتبعني  قليل من النحل ، فررت نحو الشجر حيث احتميت به حتى هدأت ثورة النحل ثم تسللت منسحبا على بطني .

ـــ يا له من مشهد جميل ؟ بريغا يزحف على بطنه كالثعبان....

ـــ لا تهزأ بي يا موسى ... قد تظهر شجاعتك أمام البشر لكنك لا تستطيع أن تقاتل النحل،..... وبينما أنا أزحف لمحت بين الشجر بعض الملثمين كما وجدت حبالا معلقة في الأشجار.

ـــ أتعني أن هذا الأمر تم بفعل فاعل ؟

ـــ أظن ذلك ، بل أكاد أجزم ....تفرق الجيش و عدنا أدراجنا إلى أكوز

ـــ و الخسائر ؟

ـــ فقدنا أزيد من ستين رجلا ... لحسن الحظ كلهم من المغاربة  ، كما فر عدد كبير من الخيل وأضعنا الكثير من الأسلحة.

ـــ و يحيى ؟

ـــ كان في مؤخرة الجيش .....فر و لم يصب بأذى

ـــ أنا لا أدري لماذا مازال الملك متشبتا بيحيى رغم الحقائق التي بسطناها له في مراسلتنا الأولى بشأنه ؟

ـــ أيها القائد ....الحقيقة وحدها لا تكفي ،.. اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس .... فلو أذنتم لأخي أبراهام لدبج مراسلة إلى الملك أعلمه بما هو كائن و ما لم يكن ، و لشيعت بعدها يحيى مقيدا بالسلاسل إلى لشبونة.

ـــ سنرى أيها المغرور بأخيه ....سنرى .....

دخل يحيى فألقى التحية ثم وقف بجانب بريغا و قال

ـــ أيها القائد بلغنا أن سلطان مراكش يعد الجنود لحصار آسفي و قد ناصرته قبائل أولاد عمران ، كما طلب الدعم من باقي قبائل الشرقية . وقد يبدأ بأكوز إذا ناصرته قبيلة بني ماكر .

توجس نونيو كثيرا من هذا الخبر، وراح يقلب الأفكار في رأسه .

ـــ كيف يمكن لسلطان مراكش أن يخرج لملاقاتنا و أنا عرضت عليه الصلح ؟ ترى هل فشل أبراهام في تحقيق مبتغانا؟ و لكن ألا يمكن أن يكون الخبر عاريا من الصحة وإنما هو مناورة من يحيى لإبعادي عن أكوز؟ لست أدري و كل شيء ممكن ....و ما مصلحة يحيى في إبعادي ؟ و إذا كان الخبر صحيحا كيف استطاع السلطان ناصر أن يلملم صفوفه في زمن قياسي و علائقه مع القبائل ليست على ما يرام ؟

 لم يتمهل نونيو كثيرا إذ غادر أكوز متجها إلى آسفي على وجه السرعة و معه بريغا و عدد من الجنود، بينما ترك يحيى يواجه مصيره لوحده . لم يتقبل يحيى الأمر و أدرك أن هناك مؤامرة تحاك ضده بغية تصفيته سياسيا عبر دفعه لارتكاب مزيد من الإخفاقات و تشويه سمعته لدى الملك البرتغالي أو اغتياله إن اقتضى الأمر.

ـــ سيدي القائد ، لا أكتمك سرا ....إني أشم رائحة الغدر من تلابيب نونيو و ذاك الماكر أبراهام 

ـــ و أنا أيضا أظن ذلك يا إبراهيم  ، بل أكاد أجزم ...و لكن ما السبيل لتفويت الفرصة عليهما ؟

ـــ أرهم من نفسك ما تغيظهما به و تقر به عين الملك...

ـــ أتعني المزيد من الحملات ؟

ـــ أجل ... المزيد من الحملات .

بعد وصول نونيو إلى آسفي استدعى المهندس المكلف ببناء الأسوار

ـــ هل أرسلت في طلبي سيدي ؟

ـــ عزيزي جاك ،...قل لي متى ستنتهي من هذه الأسوار؟

 ـــ قريبا أيها القائد، ...... انتهينا هذا الأسبوع من بناء باب الشعبة و الأبراج المحيطة به.

ـــ كلما دعوتك أجبتني قريبا أيها القائد ....

ـــ و ما عساي أن أقول ؟

في هذه الأثناء دخل أحد الجند القاعة ثم قال :

ـــ سيدي القائد ، أبراهام بن زميرو يستأذن بالدخول .....

عاد أبراهام من سفارته بمراكش و وجهه يطفح بشرا .

ـــ عزيزي أبراهام .... أرى البشارة على وجهك

ـــ أيها القائد جئتك بأزمور و معها الغربية في طبق من ذهب .

ـــ إذن فلنتحرك ....فلا شيء نخشاه إذن ....

************

استطاع نونيو في وقت قياسي أن ينجز الكثير من المهمات العسكرية إما بحضوره الشخصي أو بواسطة لوب بريغا  فقد كسر شوكة المدينة بالغربية و استولى عليها و شرد أهلها منها في هجرة أخرى تحملها العياشي و عمي ادريس نحو الشياظمة رفقة أهاليهما و دادة سعادة . لكن الجروح التي أصابت عمي ادريس في هذه الحملة  لم تمهله طويلا و بدأ في صراع مع سكرات الموت.

ـــ أخي العياشي ، صالحة أمانة في رقبتك ، اعتبرها من أهلك . أما صالح فلا خوف عليه ..... كما أوصيك بمريم و محمد ...

ـــ لا بأس عليك يا أخي ....اطمئن و قر عينا ، مريم ابنتي و زوجة إبني عبد الرحيم ، أما محمد فهو......

لم يستطع العياشي أن يكمل حديثه حتى أجهش بالبكاء و من حوله أهله و صالحة و محمد و مريم. ارتمت مريم على صدر أبيها و هي تبكي و تقول

ـــ لا تقل هذا يا أبي أبقاك الله لنا ...

ـــ يا بنية ...أفضل ما يتمناه المرء هو أن يموت شهيدا ، و أنا كما تعلمين أن ما أصابني إنما جهادا في سبيل الله. فأرجو الله أن يتقبل مني .... بلغوا سلامي لمولاي المهدي و السي البشير و لابني صالح .

واروا جثمان عمي ادريس في جبال بني ماكر ثم تابعوا سيرهم نحو الشياظمة و قلوبهم ترتعش خوفا من أن تكون حملة نونيو موجهة لقبائل الشياظمة .

لكن نونيو كان يرصد تحركات الشرفاء بالجنوب . وكان يريد تقليم أظافرهم قبل أن تكبر و تنشبها في جسم البرتغاليين . فسارع إلى تدنيست حيث العاصمة الجديدة للشرفاء .

تعد مدينة تدنيست أهم حاضرة في إقليم حاحا ، بنيت في مدخل سهل جميل يخترقه نهر ينبع بالحياة فجعل أهله يهتمون بالزراعة . يوجد بها أكثر من خمسمائة كانون أصلهم من المصامدة . وهم قوم ذوو نخوة و شهامة ، وكانوا كرماء جدا حتى إذا جاءهم غريب و ليس له صديق في المدينة اقترعوا فيما بينهم أيهم يستضيفه . كما جعلوا للفقراء من أبناء السبيل ملجأ ينفقون عليهم يوميا من صدقاتهم. كما تعد تدنيست من المدن السباقة لنصرة الشريف لأن ما اكتووا به في زمن الموحدين لا يرغبون في تكراره مع الشرفاء .

اتخذها الشريف عاصمة له و مركز انطلاق نحو شمال و شرق المغرب ، لكن البرتغاليين لم يمهلوه طويلا إذ سارعوا إلى حربه على بعد فراسخ قليلة من تدنيست . لم يصمد الشريف و جيشه طويلا فما حل ظلام ذلك اليوم حتى تشتت شمل الشريف و رجاله ، ودخل نونيو في ثلاثة مائة فارس مسيحي و مثليهم من الفرسان و المشاة المغاربة . فغنموا الشيء الكثير و أسروا و نهبوا كل القرى المجاورة التي رفضت الخضوع لهم . كما لم ينس نونيو اصطناع عميل جديد يدعى بوجمعة و عهد إليه تدبير شؤون تلك المناطق من حاحا و ما جاورها .

في لشبونة عمت الأفراح البلاط الملكي و انطلقت الإحتفالات بالنصر المؤزر لحملة نونيو و استيلاءه على الغربية و بعدها انتصاره على الشرفاء و تدمير عاصمتهم الجديدة تدنيست تعبيرا منهم عن الشكر لله على المآل السعيد لحملات قبطانات دكالة .  واكتملت فرحتهم بالنصر الذي حققه  الدوق براغانس باحتلال أزمور .أما في روما فقد أقام البابا ليون العشر قداسا متبوعا بطواف احتفالي رسمي مع الدعاء من خلال خطاب إلى مجد الملك و جنوده البواسل الذين يحاربون من أجل تمجيد الإيمان المقدس . 

انتظر فرنانديس حتى انتهت الإحتفالات ليقف أمام الملك

ـــ يا مولاي ، لم أشأ أن أعكر صفوكم في هذه الإحتفالات ، ولكن الرسائل توالت بشأن يحيى و مخالفاته و أطماعه.... و إني أرى يا مولاي أن تستدعيه للتحقيق معه .

ـــ لا بأس ، أرسل إليه كتابا ، واستحثه في المجيء ...

لكن النفوس و الخواطر لم تسكن بعد في آسفي إذ مازالت تطلب المزيد من السطوة و الحظوة والجاه . في مكتب القائد الذي لا يهدأ له بال ، كان الموعد مع خبر انتهاء الأشغال في بناء السور الجديد المحيط بالمدينة و بداية بناء الجمرك كآخر قطعة تنتظر الإنجاز. غير أن هذا الخبر لم يكن ليفرح نونيو أو ليهدأ من روعه. فلم يستسغ نونيو أن ينسب النصر للدوق براغانس فقط و ينسى من هيأ له الظروف لذلك و هو الذي عمل على تحييد قبائل الشرقية و كذلك سلطان مراكش ، و تاريخه الطويل يشفع له في ذلك ..كان يقطع المكتب جيئة و ذهابا

ـــ قل لي يا بريغا  كيف السبيل إلى براغانس ؟ لم يبذل ما بذلناه و لم يحارب ما حاربناه ، وبين عشية وضحاها  صار ذكره على كل لسان و صارت تقرع الأجراس باسمه في البرتغال و روما دون أن يلتفت أحد إلى ما حققناه نحن من نصر بالغربية و تدنيست و غيرهما .

ـــ لم نته مشاكلنا مع يحيى حتى برز لنا براغانس هذا ....والأدهى أنه من عائلة نبيلة ....

ـــ أنا لا أريد وصفا بل أريد حلا ... أريد حلا يا بريغا....

دخل أبراهام دون استئذان و قال :

ـــ لقد سمعت ما تقولون ....و عندي لكم الحل ......و لكن ......

ـــ أنجدني و لك ما تريد .....

بدأ أبراهام يدور في المكتب مختالا معتزا بنفسه و بدا نونيو أمامه ضعيفا يطلب مساعدة .

ـــ اصنع  لنفسك حدثا أكبر من احتلال أزمور ............ مادامت المدينة الآن محصنة بشكل جيد وما دامت القبائل القريبة و البعيدة قد أذعنت و استسلمت ،  فالرأي عندي أن  تهاجم مراكش .

ـــ والصلح الذي وقعناه مع السلطان؟ ..

ـــ هناك ألف سبب لإلغائه ...ثم لا تنس أن تطلب العون من براغانس بالمساهمة في هذه الحملة .

ـــ و لكن ؟.....

ـــ لا تقلق .... وجه الدعوة إليه ولا تشركه في الحملة ،....

ـــ كيف ؟

ـــ اطلب من براغانس أن ينتظرك في رباط شاكر ، تأخر في طلبه و اسبقه أنت إلى مراكش ، إن كان النصر حليفك حزت المجد لنفسك و إن فشلت الحملة راسلت الملك تشكو تقاعسه عن نجدتك .

ـــ و يحيى ؟

ـــ أشركه في المعركة و بعدها أٍرسله إلى لشبونة ....أظن أن الملك قد طلبه أليس كذلك ؟

ابتسم نونيو أخيرا و بدت على وجهه علامات الانشراح و جلس أخيرا فوق كرسي مكتبه.

ـــ و أخيرا سيتحقق حلمك يا نونيو....أيها القائد بريغا باشر الإستعدادات بنفسك ....

بدأ نونيو يستعد لمشروع العمر، كما كان يسميه ، بكل ما أوتي من قوة . و بدا عليه الحماس أكثر مما مضى ، كما كانت عواطفه تدغدغها كلمات أبراهام في وصفه لمراكش

ـــ مراكش سيدي القائد ، ليست كباقي المدن ، بل قل هي أم الحواضر الإفريقية . لها أربعة وعشرون بابا و أسوارها مبنية من بلاط على قدر كبير من الصلابة . توجد بها دار للصناعة كانت مراكش تفتخر بها في أزهى أيامها ، و رغم ذلك فإن مدارسها و معاهدها و جوامعها تشهد بمدى عظمة هذه المدينة. أما ما يحيط بها من بساتين و جنان ففيها ما يسبي العقول و الألباب . أما أهلها فهم ذوو كبرياء يتباهون بشجاعتهم و بكونهم أعداء ألداء للمسيحيين .

كان نونيو يدرك مدى صعوبة المهمة وبعد الطريق و تواجد العديد من القبائل الخاضعة لهم و المتمردة عليهم والمشكوك في أمرها . لكن القائد كان يهيم مع حلمه و يتماهى مع أمانيه و هو يرى الأجراس تقرع فوق مساجد المدينة و مياه الأطلس الباردة تغسل ظهور الجياد البرتغالية و العطشى لمزيد من الحملات. و كان يزداد سرورا كلما جاءه خبر يسرع من وتيرة استعداده، بل بالغ أحيانا حين ترك حامية صغيرة فقط بالمدينة وترك عليها أحد الأدايل من رتبة صغيرة .

لكن هذا السرور لن يستمر طويلا فقد انطلق موكب الفرسان من قرية الشيخ المحجوب وسط زغاريد النساء ودعاء الرجال  . كانوا خمسين رجلا يقودهم مبارك صحبة عبد الله و صالح و عمر . انطلقوا بعد صلاة العصر و قد عزموا على المسير ليلا و الكمون نهارا.

كان السياج المضروب حول تجمع الأسرى عاليا بما فيه الكفاية لمنع أي هروب أو هجوم محتمل . كما كانت فرق من الجنود تلف المكان من كل جهاته . فلم لهم من بد سوى الدخول من البوابة الرئيسية مع استخدام الحيلة و التمويه . بعد ثلاثة أيام وصلوا تخوم المجمع فأناخوا خيلهم على بعد مسيرة ليلة . كما بلغتهم الأخبار بانطلاق جيش البرتغاليين نحو مراكش فاعتبروها فرصة حيث ستقل الدوريات التي تحرس المجمع . لم يناموا ليلتهم تلك و إنما باتوا يراجعون خطتهم التي سينفذونها في الصباح . تكلم صالح أولا

ـــ عند شروق كل يوم يأتي فيلق من الخيالة يتكون من خمسة وعشرين فارسا يقودهم فارس برتغالي إلى المجمع ليقتادوا ما لا يقل عن مائين من الأسرى مكبلين بالسلاسل و عند عودتهم يرافقهم خمسة وعشرون آخرون حتى يطمئنوا على سلامة الطريق ثم يعودوا أدراجهم إلى المجمع .

ـــ طيب ....يا رجال،  سيكون عمر هو قائد المجموعة الأولى التي ستذهب لتحرير الأسرى ، يرافقه عبد الله و صالح بينما أبقى أنا و النصف المتبقي للحراسة وتأمين الطريق في حالة قدوم أي خطر .

لبسوا الملابس التي غنموها من الغول و أصحابه ثم قرأ صالح سورة الفاتحة و دعا للجميع بالتوفيق ثم انطلقوا و قلوبهم تخفق من الخوف أن تفشل المهمة.

أمام البوابة وقف عمر بشعره الأشقر و عينيه الزرقاوتين يتقدم باقي الفرسان ، فتبادل مع الحراس التحية العسكرية . كانت الشمس على أهبة الخروج من مخبئها حين دوى صوت النفير كي يستيقظ الجميع . بدأ عمر الكلام باللغة البرتغالية لكن القوم لم يفهموا ما يقول ، فالتفت إلى صالح و طلب منه الترجمة للحراس

ـــ يقول بما أن القائد نونيو غير موجود في آسفي فقد عهد إلى القائد بيير دو كاديس لأخذ الأسرى إلى المدينة . ويقول أنه جاءت البارحة أربعة سفن كبيرة ، وهم يريدون عددا كبيرا منهم ، على أن يراعى الصبا و الجمال بالنسبة للنساء و الفتوة والقوة بالنسبة للرجال .

ـــ هل عندكم تصريح من القائد نونيو ؟

ـــ احذر أن يسمعك تقول عنه شيئا كهذا أو تحقر من قدره و إلا أرسلك مقيدا لتباع أيضا معهم .

تلعثم الحارس المسئول فبادر عمر إلى السؤال مجددا غير أن صالحا طمأن عمر أن الأمور على ما يرام وأن الحارس إنما رحب بالقائد بيير دي كاديس ، ازدادت حيرة الحارس و لم يدر ما يقول و لا ما يفعل .

ـــ هيا أسرع ،فالطريق طويلة و التجار يجب أن يجدوا البضاعة في السوق لا أن ينتظروها.

أعطى الحارس أوامره بأن تصطف النساء في جانب و الرجال في جانب آخر. فبدأ عبد الله يختار الرجال و يطلب منهم الإسم الكامل و إسم القبيلة و كذلك كان صالح يختار النساء و يطلب منهن أسماءهن و أسماء قبائلهن .

ـــ ما اسمك يا هذا ؟ وما اسم قبيلتك ؟

ـــ حمان بن عبد الله من قبيلة أولاد عمران

اكتمل العدد المطلوب و المحدد في مائة أسير و أسيرة و لم يظهر أي أثر للمدني و زوجة أبيه عائشة . احتار عمر و لم يدر ماذا يفعل لكن صالحا أحس بحيرة صاحبه فنادى في حراس المجمع

ـــ هل بقي أحد من الأسرى ؟

ـــ بقي رجل مريض و امرأة تعوده في تلك الخيمة ...

ـــ أحضرهما أمام القائد ليرى رأيه فيهما

ـــ و لكنه مريض سيدي ...

ـــ وما أدراه أنه مريض أو أنه يتمارض ، ثم لسنا مخولين أن نقرر ، سيدي القائد وحده له الحق

في لمح البصر أحضروا رجلا مريضا له سعال جاف و ظهر معكوف .

ـــ ما اسمك يا رجل ؟ و ما اسم قبيلتك ؟

ـــ المدني بن بوشعيب من قبائل رجراجة

ـــ و هذه المرأة من تكون ؟

رفع المدني رأسه فوقع نظره على عمر و صالح فاضطرب و كاد أن يبوح باسميهما ، لكن عمر غمزه بسرعة فازدادت حيرته و قال 

ـــ هذه عائشة زوجة أبي ...لا إنها زوجتي ....بل زوجة ابي...

ازداد الأمر إثارة عندما تحدث عمر بالبرتغالية مع صالح مما زاد من حيرة المدني

ـــ يقول لكم القائد ماذا تفعلون برجل مريض قد يعدي الآخرين ، ثم من سيشتري مثل هذا ؟ إنها بلا شك بضاعة كاسدة

بدأ الجميع يضحك ثم فتحوا له بوابة المجمع و سمحوا له بالخروج . لكن المدني احتار في أمره كيف يخرج و إلى أين سيذهب ، فخطا خطوات ثم استدار نحوهم ليقول شيئا لكن صالحا سبقه بالكلام

ـــ  سيدي القائد ، لو أطلقتم سراح زوجته أو زوجة أبيه لتكون له عونا في الطريق ،لكان ذلك كرما و لطفا منكم

هز عمر رأسه موافقا غير أن الحارس شك في طريقة تصرف القائد فتسائل عن الإجراءات الجديدة

ـــ القائد نونيو هو من طلب منا هذا ، نكاية ببعض القبائل المتمردة.

وقع بيير دي كاديس في الدفتر و انصرفوا دون طلب العون من الحراس .

ـــ بعد قليل سيأتي قائد آخر يأخذ مثل ما أخذنا .

على جانب الطريق وجدوا المدني جالسا و بقربه عائشة فصاح عمر في وجهه

ـــ  فك الله أسرك أيها المدني

ـــ عمر ؟

تكللت مهمتهم بالنجاح، لكنهم وجدوا صعوبة في نقل الأسرى بهذا العدد  إلى مكان آمن . فكان الإتفاق على تقسيمهم إلى خمس مجموعات و كل واحدة تتجه ناحية قبيلة ما . فتم جمع المنتمين إلى قبائل الغربية في مجموعة يقودها صالح ، و المنحدرين من قبائل الشرقية يقودهم عمر و أولاد عمران كلف بهم سليمان و بني ماكر نهج بهم عبد الله طريق الجبل في حين سار مبارك بمن تبقى إلى الشياظمة عبر رباط شاكر .

غير أن صالحا ما لبث أن قفل عائدا إلى الشياظمة بعدما علم أن الغربية قد هجرها أهلها و سقطت في يد البرتغاليين.

***********

في المكتب كان الجميع على موعد غير منتظر ، فقد دعاهم نونيو لأمر جلل فقال في نبرة من الغضب

ـــ أيها السادة ، وصلني خبر مفاده أن يحيى و بتحريض من الشرفاء قد أضمر نية قتلي ، وأن قدومه خلال أيام سيكون متبطا بخنجر و سكين. و أنا أهيئ نفسي لحملة مراكش لا أريد مفاجئات ، لذا فإني أعلمكم بأني سآمر بقطع عنق الرجل . فماذا ترون ؟

ـــ هدئ من روعك أيها القائد ، ودعنا نقلب الأمر جيدا.....

ـــ قلبه أنت كما تريد أما أنا فقد حسمت أمري.....

ـــ لا أيها القائد ، يحيى أجبن من أن يواجه الموت المحقق . و هو يدري قبل غيره أنه إن حاول الإقدام على فعلته فلن ينجو من أسيافنا قبل أن يصل إليك . وقبل هذا ماذا ستقول لجلالة الملك ؟ و هو الذي يحيطه بكل عناية ......أرى أيها القائد أن تتريث فقد يكون الخبر مكذوبا ومن وراءه الشرفاء ليفرقوا شملنا و يضعفوا جيشنا .... و الحرب خدعة .... ثم نحن بحاجة لكل مقاتل في هذا الظرف بالذات فما بالك بيحيى ؟

ـــ أيها القائد ، ماذا سيقول صنائعك في القبائل ؟ لا ثقة في البرتغاليين إنهم يقتلون حلفاءهم. فكيف سيثقون بنا بعد ذلك ؟

هدأت ثورة نونيو ثم جلس على الكرسي و قال :

ـــ ما هي أخبار الإستعدادات ؟

ـــ جعلنا الموعد عند بحيرة زيمة .

لم تفلح حيلة أبراهام في إبعاد براغانس عن هذه المعركة الذي حضر مبكرا إلى المكان المتفق عليه و بقي ينتظر نونيو هناك حتى قدم من آسفي رفقة بريغا و يحيى و ميمون قائد عبدة. فقد كانت لبراغانس عيونه داخل آسفي ، و لم يكن يسمح لأحد أن ينزع من صدره نياشين القيادة أو يفوت على نفسه كتابة اسمه في تاريخ قادة البرتغال العظام . و لن يسمح أبدا أن يكون ضحية مقلب مهين من يهودي حقير، وهو الذي خبر من قبل مقالب المستشارين و النبلاء داخل البلاط .

سار الجيش أياما و ليال ، ولما اقتربوا من مراكش بدت صومعة الكتبية شامخة في وسط المدينة تتحدى الزمن و الإنسان معا . بدت من بعيد شاهدة على من مروا تحتها و ملكوا حوزتها و من ركع و سجد و سمع آذانها . كان نونيو ينظر إليها و همه منصبا على ما بعد النصر ، و لم يشغل باله بالخطة التي سيعتمدها لغزو المدينة ، فالنصر محسوم سلفا و مراكش أضعف من أن تصمد .

تقدم البرتغاليون نحو باب سيدي بلعباس السبتي بثلاثة آلاف فارس ، لكن وجود الخنادق و الخطارات جعلهم يوجهون وجوههم قبل باب فاس ــ باب الخميس حاليا ــ مع إبقاء حامية تتكون من فرسان قبائل الغربية أمام الباب . بينما بقي ميمون محاصرا لباب الرب . و في غفلة من البرتغاليين فتح باب فاس و انقض الهنتاتيون على الغزاة مما أحدث بينهم فوضى عارمة لم يسلم منها بريغا الذي أصيب بجروح بالغة كاد أن يهلك لولا فرسان الغربية الذين أنقذوه .كما أصيب ميمون في فخذه من جراء تدافع الجنود و تساقطهم في تلك الخنادق  والخطارات.

فر نونيو ومن معه في الممرات الضيقة تاركين وراءهم المئات من القتلى و الحرجى و بالغ أهل مراكش في الإنقضاض عليهم و و مطاردتهم فما وقفت جحافلهم إلا بعد فرسخين عن أسوار المدينة . و رغم تنظيم صفوف بعض الكتائب منهم و محاولتهم العودة من جديد إلا أن المحاولة باءت بالفشل الذريع . و عاد نونيو يجر أذيال الخيبة ، وبدت مراكش على ضعفها أقوى مما كان يتصور و بدت صومعة الكتبية شامخة كـأنها تنظر إليه في ازدراء . فأحس بالمهانة تسري في أوصاله و بدا ضعيفا لم يستطع أن يولي وجهه ناحية مراكش و لو على سبيل الفضول . وصارت الأجراس التي تمنى قرعها فوق المساجد تصم آذانه و تشتت فكره . 

إذن فشلت مهمة احتلال العمق المغربي إذ استبسلت المدينة في الدفاع عن نفسها و أصابت من نونيو مقتلا و تكبد من الخسائر الشيء الكثير . و فشل معها مشروع الحزام المسيحي الذي يفصل المغرب إلى شطرين . و عاد نونيو إلى آسفي يجر أذيال الخيبة و قد نكست أعلام النصر فوق موكبه و قد اقتنع أخيرا بأن أحلام الغزو والتوسع التي طالما داعبت عواطفه قد تلاشت إلى الأبد و تحطمت على أسوار مراكش .

غادر يحيى آسفي إثر فشل هذه حملة في أول سفينة متجهة إلى البرتغال ملبيا دعوة الملك  . و قد كانت هذه هي المرة الثانية التي يدعى فيها بن تاعفوفت إلى لشبونة بعد توليته حاكما على بادية آسفي .

بعد أن وصل بأسبوع وقف يحيى في قاعة العرش و قد بدا عليه القلق  و هو يستعد للإجابة عن استفسارات و اتهامات وصلت البلاط عبر رسائل من قبل نونيو و آخرين . دخل الملك فألقى الجميع له التحية ثم بدأ فرنانديز يقرأ صك الإتهامات الموجهة إلى بن تاعفوفت :

ـــ جاء في الرسالة الأولى ....لقد تمادى يحيى أكثر من اللازم و صار يسمي نفسه صاحب الأمر و النهي و هذه نماذج من رسائله إلى القبائل........ بإذن من له الأمر و الحكم السلطاني بمدينة آسفي و هو الشيخ الأجل المؤيد الأرفع أبو زكرياء يحيى بن تاعفوفت بن محمد أدام الله عزه و متع المسلمين بحياته ........و أن كل من خالفه و عصى أمره يعاقب عقابا شديدا على ما جرت به عوائد الشرع ...فإن كان القتل عمدا يحكم فيه كما قال تعالى في كتابه العزيز.........

يا مولاي الملك ، هناك رسائل أخرى تتهم يحيى بأنه مخادع و أنه على علاقة وطيدة بسلطان مراكش و أنه متعطش للثروة و حب المال و المجد و أشياء أخرى إن رأى مولاي الملك أن أقرأها على جلالته ....

ضحك الملك و حرك رأسه رافضا و قال

ـــ ماذا تقول أيها القائد المتهم فيما سمعت ؟

أحس يحيى بأن الملك لا يلتفت إلى تلك التهم فأراد أن يرسل رسالة إلى مناوئيه

ـــ يا جلالة الملك ؛ أنا لا أدري ما أقول ؛ المغاربة يقولون عني أني مسيحي و المسيحيون يقولون إني من المغاربة ، لعمري لست أدري ماذا أفعل بنفسي .

......يا مولاي،....... ما وصلكم من رسائل بل من تهم لا صحة لها على الإطلاق ؛ وما كان لي أن أتصف بصفات هي من حق مولاي ؛ فأنا لست صاحب الحكم السلطاني بمدينة آسفي و إنما عامل مولاي على البادية ؛ و أما ما جاء في الرسالة الأولى فقد قدم علي المكرم محمد بن الحاج من قبيلة بني الحارث فطلبوا العون في الأحكام و قد فوضتم لي من قبل يا جلالة الملك أن أحكم بينهم بما تقتضيه أعرافهم و ديانتهم .

........أما باقي الأجناس من مسيحيين ويهود فقد كتبت لهم مدونة مدنية طبقا لأحكام دولتكم المجيدة و إن رأى مولاي أن أقرأ عيكم بعض بنودها فعلت ..... و أما باقي التهم فمعاركي و تاريخي يشفعان لي عند ملكي أدام الله عزه .

ـــ لست عندنا بمتهم يا يحيى .... ولكن دعوناك حتى تهدأ النفوس وتسكن الخواطر فقط ....يا فرنانديز أكرم عاملنا يحيى و أسكنه في جناح الضيوف و أحسن وفادته .

اعتقد نونيو أنه تخلص من غريمه يحيى ، لكن الأخبار التي وصلته عن عملية تحرير الأسرى جعلته يفقد صوابه . كما أن المعلومات التي تشير إلى أن أولاد عمران هم من تجرأ على هذا الفعل قد زادته هيجانا و هو المجروح في كبرياءه بعد فشله في مراكش ، ذلك أن القائد رحو الذي بدأ ملكه يتوسع على حساب الهنتاتي حتى وصل جبل كليز قد بدأت باقي القبائل المجاورة تذعن له عن طواعية ، وأصبح مصدر تهديد حقيقي لمصالح البرتغال في هذه الأطراف من المغرب .

لم يمكث نونيو سوى ثمانية أيام في آسفي حتى استنفر أربعة آلاف رجل و هاجم دوار القائد ليلا كعادته فسلب و نهب و سبى النساء و الأطفال غير أنه لم يظفر بالقائد رحو لكن ظفر بأجمل نساءه و كانت تدعى حورة.

ارتفع النهار و اشتدت حرارة سهل الحوز فوق الرؤوس فأمر نونيو بالتوقف عند نبع ماء طلبا للراحة .لكن رحو لم يكن طالبا لها ولا للقيلولة ، إذ بقي يتعقبهم عن بعد دون أن يجرأ على الإقتراب أكثر . فلمحته زوجته وقد كانت من بين السبايا فصاحت بأعلى صوتها في وجهه

ـــ واها لك يا رحو ، الم تعدني بالوفاء ، ألم تقل أنك ستموت من أجلي إن حصل لي مكروه ، فأي مكروه أكبر من هذا؟.

فناداها عن بعد

ـــ إن هذا اليوم طويل و الناصر هو الله و القوة في ذراعي .

فقامت رحو و أخذت حفنة من تراب و رمتها في الهواء و صاحت

ـــ كل شيء بيننا ذهب مع الريح ، و كلامك مثل هذا الغبار ، فابحث لك عن امرأة أخرى

فعلت هذه الكلمات فعلها في نفس الرجل فأحس بالخزي و رمى بأحد نعليه إليها تعبيرا منه بالبقاء على العهد الذي عاهدها عليه .

ثم عاد إلى قومه فذكرهم بالله و حرضهم على الجهاد و على تحرير النساء و الأطفال من السبي ، فاستطاع أن يلملم صفوفه و يرتب أموره و جمع عددا كبيرا من المحاربين .  فلم ينتصف النهار حتى كر برجاله على مؤخرة الجيش مما أربك نونيو و دفعه إلى إلاسراع بجيشه نحو آسفي . غير أن رحو ظل متمسكا بخطته ملزما نونيو و من معه على الدخول في الدفاع عن أنفسهم عوض الإنسحاب من المعركة . بدأت المعركة و حمي وطيسها و تحت الشمس الحارقة تضايق نونيو من خوذته الحربية التي كانت تعيقه عن الإقتراب من رجال رحو .

كان رحو و هو الفرس المقدام يبحث عن ثأره بكل ما أوتي من قوة ، وزادت حرارة الجو قلة الماء من إنهاك الجيش البرتغالي . و في ذروة القتال ركز رحو حربته في عنق نونيو فسقط صريعا فارتبكت عناصر جنده و دبت الفوضى في صفوفهم و سقط الكثير منهم على أرض الحوز قتلى و أسر آخرون كان أبرزهم لوب بريغا .

 سقط نونيو ، الرجل الذي لا يهدأ له بال منهيا حقبة من تاريخ الإستعمار البرتغالي لهذه المدينة ، حقبة طبعها بطابعه الخاص ؛ القسوة في الحرب مع سفك الدماء بدون سبب و نهب لخيرات المنطقة مع أسر رجالها و نساءها و التنكيل بهم في سوق النخاسة ، تلكم هي أهم العناوين الكبرى لرحلة رجل لم يهدأ له بال حتى سقط بحربة غرست في حلقه هدأ معها فوق أرض الحوز. سهل الحوز الذي حافظ على حوزته و مدينته من ظلم هذا القائد و استبداده ورفض إلا أن تكون تربته قبرا لفترة تعد الأكثر دموية في تاريخ احتلال البرتغاليون لمناطق من المغرب

فر الباقون وانتهت المعركة ووقف رحو أمام زوجته و قال

ـــ حورة .....ألم أقل لك أن الناصر هو الله .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                             

 

 

 

 

 

 

 

تعلّم إعلانات فيس بوك باحترافية تامة في 6.5 ساعة فقط

منتدى اضويرمي هشام

Comments
NameEmailMessage